كنت أتحدث عبر الهاتف مع الصديق العزيز عبدالله ناصر عن حال القراءة، فأخبرني عن الرواية التي قرأها قبل أيام، للروائي الإسباني أنطونيو مونيوث مولينا “في غياب بلانكا” ترجمة الصديقة أسماء جمال عبدالناصر، التي أشاد بجودة ترجمتها ورشاقة الرواية وذكاء كاتبها، وكنت أعرف تمامًا من خلال التجربة ماذا يعني أن يمتدح ويتحمس عبدالله لرواية ما، هذا يعني وعدًا بالمتعة والجمال الذي كنت في أمس الحاجة إليه، وهذا ما حدث!
في البداية دعوني أحدثكم عن عالم الرواية الممتلئ بالتفاصيل الصغيرة، التي تبدأ من اللغة الرشيقة، وتنتهي عند الأحداث الذهنية المعبرة عن غوامض النفس البشرية، فماريو هذا الرجل الهش يلاحق بدأب تفاصيل علاقته مع حبيبته بلانكا، التي تختلف عليه حتى يظن أنها مخطوفة، وأن بلانكا التي أمامه بلانكا أخرى، هذا النوع من الرحيل هو الذي يعنيه عنوان الرواية، الذي يتمسك بالفكرة كما لو كانت خطامًا يقود كل شيء داخل العمل نحو نوع الرحيل المزعوم.
عشرة فصول قصيرة، يؤدي كل فصل منها إلى معنى من معاني الرحيل، ويالها من فصول متقنة في حبكتها وإحالتهما للثيمة الرئيسة، حتى تلك الفصول التي تعود بالأحداث إلى لحظة تعارفهما، أو التي مثلت بداية تعلقه المرضي بها، كلها تعود إلى مركزية صغيرة جدًا، قد لا يسلم أي عاشق من حبائلها، ولو أردنا تحويلها إلى سؤال وجودي، يمكننا التعبير عنه بالسؤال الآتي: هل نستطيع الجزم بأن من يعيش معنا الآن، هو ذات الشخص الذي أحببناه منذ البداية؟
هذا السؤال الأبدي الذي يعيدنا دائمًا إلى فكرة تخلينا عن انتباهنا في لحظات المتعة والثقة في الحبيب، وأن هذا التخلي الطوعي عن الانتباه سيصحو في يوم من الأيام ويجعلنا نعيد ترتيب الحكاية من أولها، ونراجع الأمور التي كانت أمام أعيننا، لكننا في غمرة الاستمتاع النرجسي حاولنا ألا نلتفت إليه، وها هو يصحو الآن ويبدل لحظات الأمان إلى لحظات شك وتردد، أوصلها الكاتب عبر التطرف التحليلي إلى خيالات خارجة عن الواقع، هذه الخيالات تحديدًا هي القيمة المخبأة داخل التفاصيل متناهية الصغر، طريقة الأكل، رائحة الجسد، مذاق القبلات، صوت خطوات الأقدام على خشب الشقة، المعجم اللغوي، وكأننا حين نفقد الأمان تجاه من نحب نحاول بشتى الطرق إيجاد مبرر رحيله، حتى لو كان يقف شاخصًا أمامنا.
تكمن العبقرية في قول هكذا حكاية في نسج خيوطها بدقة متناهية، من خلق فضاء حكائي، إلى إيجاد شخصيات تعمل كفواعل لاستمرار الحكاية بتناسق ورشاقة، إضافة إلى تدعيم النص بما يحتاجه من المعرفة والثقافة الموزونة بميزان الممكن، لا بالشكل التعسفي، الذي لا يساعد العمل على دعم سلطة الإقناع، كل تلك الفنيات الصغيرة مرتبطة بخيط رفيع جدًا يحيل إلى أصل الفكرة الهشة والصغيرة.
أخيراً أود أن أقول إن مثل هذا العمل المشدود تمامًا، والمكتوب بنظرة تأملية بطيئة، يمثل باقتدار اللحظة الراهنة، ويعبر بشكل فذ عن مشكلات الإنسان الحديث، حيث السرديات الصغرى التي تعبر عن هشاشته ومدى تضعضعه، والدليل على صدق ذلك، نهاية الرواية التي تتمسك حتى آخر لحظة بهذا الشكل من تشظي الروح؛ التي تبكي فراق حبيب يعيش أمامها ولا ينوي أن يفارقها أبدًا!
