العمارة الوحشية في رواية “من يكمل وجه الجنرال؟” قراءة شخصية

العمارة الوحشية في رواية “من يكمل وجه الجنرال؟” قراءة شخصية

صباح ١١ نوفمبر ٢٠٢٤، خرجنا، الصديق عبدالله ناصر وأنا، من الدار البيضاء بسيارتنا المستأجرة، متجهين إلى بني ملال، قاصدين الصديق العزيز والروائي الكبير عبدالكريم جويطي. في البال، كنا نؤمّل النفس بلقاء شخصيات روايته التي فُتِنّا بها بنفس القدر تقريبًا: “ثورة الأيام الأربعة”، إذ لم نتوقف عن الحديث عنها طوال سنتين. فكلما تشاركنا قراءة عمل روائي عظيم، نتذكر نكهة رواية جويطي، وكلما خاب أملنا في عمل، زاد تقديرنا للرجل كفنان وعبقري. حتى قررنا أن ننهي هذا الحوار الطويل والجميل في بني ملال نفسها، ومع جويطي ذاته، الذي كنت قد بدأت التواصل معه قبل ذلك بمدة، وحدثته عن رغبتنا في زيارة المغرب والمرور ببني ملال إن تيسّر، فرحب بنا أيّما ترحيب، ما زاد من حماسنا للزيارة. وعندما جئناه، استقبلنا -مشكورًا- أجمل استقبال، وأكرمنا بلطف وجمال ضاعفا من تقديرنا للرجل ولأهل المغرب.

الآن سأعود قليلًا إلى اللحظة التي تركنا فيها الطريق الدولي الكبير، لنسلك الطريق الجانبي، جاعلين الجبال البعيدة أمامنا، والمزارع على جانبي الطريق بترابها المائل إلى الحمرة. وأخذ عبدالله ناصر يضع النظريات حول أنواع التربة الصالحة للزراعة، كما لو كان فلاحًا قديمًا، وبدأ يصف التربة يمينًا ويسارًا بأنها أفضل تربة، وأنه لم يرَ مثيلًا لها في حياته كفلاحٍ متخيّل. الحقيقة أنني صدقته حينها، ربما صدقت الطاقة في لغته وسرده أكثر؛ ومن يجرؤ ألّا يفعل ذلك؟!

المهم، بعد أن صعد بنا الطريق، وتجاوزنا تلة عالية وضخمة، وبدأنا في النزول مقبلين على بني ملال -كما يقول (Google Mabs)-، إذا بسرب من سيارات الشرطة العسكرية (المخزن بالتعبير المغربي)، وبها عدد كبير من الجنود بلباسهم الزيتي الداكن. تجاوزناها وفي نفسَينا ضحكة واستغراب من المصادفة العجيبة، وأخذنا نخترع النكات والنوادر بناءً على عالم جويطي في روايته، التي كانت دليلًا وهاديًا لرحلة حجّنا الفني إلى عروس الأطلس المتوسط، بجبلها وعينها الشهيرة (عين أسردون).

عندما وصلنا، لم نخبر جويطي بمفارقة رجال المخزن في الطريق، وسلامنا عليهم بإشارات الأيدي من خلف الزجاج، وبالنكات التي لا يسمعونها طبعًا، والمستوحاة من طبائع الثوار في عمل جويطي وشخصياته العليلة والمعذّبة. وكان حسنًا أننا لم نخبر الرجل، لأنه قابلنا وفي يديه أوراق الجزء الثاني من رباعيته “من يكمل وجه الجنرال؟”، وكان في غاية الانهماك، وفي أصعب مراحل العمل الروائي: مرحلة الحذف والاستغناء، والتعديل والتجريح.

وصلتنا الرواية بعد هذا اللقاء بستة أشهر، جاء بها عبدالله من معرض أبو ظبي. وصلتني نسختي عبر البريد في ٧ مايو ٢٠٢٥، لتبدأ رحلة جديدة من الأحاديث الهاتفية، في البداية أثناء القراءة، ثم مكالمات أطول وأطول بعد الانتهاء منها. أنا أكتب هذه السطور قبل أن أتواصل مع جويطي أو أرسل له رسالة واحدة بخصوص الجزء الثاني، ولا أظنه يظن أن هذا التأخر جاء بدافع الإهمال -لا سمح الله- بل بدافع التردّد في طبيعة العمل، واختلافه كثيرًا عن مستوى توقّعي. وهذا لا يشي بالسلبية، فالموضوع أعقد من ذلك، فقد احتجت إلى قراءة أجزاء من العمل أكثر من مرة لأجد ما يمكن أن أقول إنه فهمي الخاص للعمل. إذ لا جدوى من تكرار الكلام، حتى المديح، مع استحقاق جويطي له، لا أعتقد أنه المنتظر مني.

ولا أخفي على القارئ الكريم، ولا على نفسي، كدت في لحظة أن أتهم العمل نفسه. لا لأنه عمل غير جيّد، أو أنه خارج مزاجي الشخصي، بالعكس تمامًا. الأمر راجع إلى أنني عجزت وضجرت، بسبب أنني لم أجد المدخل الصحيح للعمل. فالعمل متعالٍ للغاية، وربما عليّ فقط، لست أدري. ولا أحس أنني وصلت إلى أداة فنية يمكن أن أقرّبها إلى العمل، ليس من كونه حكاية، أو خطابًا، أو حتى من ناحية التجريب الفني؛ العمل أسهل من كل ذلك. وأعقد. لست دري.

حتى عندما تحدثت مع عبدالله ناصر في العمل بعد أن انتهينا من قراءته، كان عبدالله مأخوذًا بالعمل، وطبيعي أنني تحدثت معه عن جزئيات معيّنة طربنا لها وأخذنا نغبط الرجل، ونمنِّي أنفسنا، ونكيل له المديح فيما بيننا. وعندما سألني عبدالله عن رغبتي في الكتابة عن العمل، قلت له بشكل مباشر: لا أستطيع. ثم استدركت: ليس الآن على الأقل.

كنت أحدث نفسي، عمّا يمكن أن أقول عن “من يكمل وجه الجنرال؟”. ثم تذكرت أن مهمة إكمال وجه الجنرال أو البغل الروسي ربما ليست سهلة على شخص مثلي، وأخذت أقرأ كل ما كُتب عنها، لكن شيئًا ما داخلي كان يرفض -بشكل صاخب- كل ما قيل. ثم ركنت إلى رأي له علاقة بالمزاج الشخصي، واستسلمت.

عدت للرواية قبل يومين وقرأتها مرة أخرى، أقفز من جزء إلى آخر كعادتي في القراءة الثانية، أو الثالثة. ثم اهتديت إلى ما كنت أريد أن أعرفه أخيرًا، بعد عراك ومكالمات طويلة، ومحاولة تغيير الموضوع والانصراف عنه أكثر من مرة، وجدت أخيرًا ما أريد قوله عن الرواية. وقد جاءت الفكرة على طريقة (وجدتها): وجدت المكون الذي جعل من العمل بالنسبة لي عملًا صخريًا وصلدًا. وجدت المدخل من خلال مصطلح لا يُستخدم كثيرًا في السرديات، بل في المعمار، تحديدًا فن العمارة الوحشية.

وجدت المبرر الفني الذي يجعل الكاتب يختار أن يكون النصف الثاني من العمل عبارة عن شخصية حبيسة في مواجهة جدار إسمنتي متوحش، يشبه هذا الوضع نمط العمارة في أوروبا في النصف الثاني من القرن العشرين، تلك المباني التي عُرفت بعمارة (Brutalist architecture) أو العمارة الوحشية. وقلت في نفسي: فعلها العظيم جويطي، لقد أدخل للرواية العربية مكونًا فنيًا جديدًا من خلال روايته هذه، التي أضجرني نصفها الثاني، بعد الصفحة ٢٤٢؛ أي في فصلها الأخير “رجل الجب”، الفصل الذي يبلغ حجمه حجم رواية كاملة، بمقاطعها الـ٦٥.

العجيب أن هذا المكون الذي أدخله مكون سهل، موجود في التكوين الجغرافي الذي فتحت بصري عليه حينما رأيت سلسلة جبال تادلا. وقد وجدت في الرجل وفاءً عظيمًا للمكون الجغرافي، في حديثه، وفي ارتباكه الشخصي من الجغرافيا، وحتى في نصوصه السابقة. فكيف غاب عني كل هذه الفترة؟!

ولأوضح الأمر بصورة أكبر، سأنتقل إلى مشكلتي مع هذا الجزء من العمل. في البدء، ضجرت. ضجرت من المونولوج الطويل. ضجرت من الحبس الانفرادي. ضجرت من عدم وجود سبب منطقي للتحول في جو الرواية العام، وفي طبيعة السرد. بين الجزء الأول، الذي انفلت فيه الخيال، والتنقل بين روسيا وفرنسا وصولًا إلى المغرب، وإلى سلسلة جبال الأطلس، بين الحكاية الشعبية المحلية والأسطورة، وجمال السرد والإمتاع منقطع النظير، ثم الحبس الانفرادي داخل مكعب إسمنتي بلون الكونكريت.

شعرت في البداية أن في هذا الفعل إهدارًا غير متعمّد من قِبل الكاتب، لكن شيئًا ما خفيًّا ظلّ يُلحّ على خاطري، فما عهدتُ الرجل بهذا القدر من الغرور والترف ليُضحّي بقارئه. ثم تذكرت أن العمل الروائي في أصله ليس عملًا للتسلية، بل للوجع والخيبة والخذلان. وهذا ما وجدته متطابقًا تمامًا مع فن العمارة الوحشية، التي جاءت كنتيجة طبيعية للوجود الإنساني بعد الدمار. إنه التبرير الوحيد الذي أجده، وأتمنى ألا أكون متوهّمًا أو تحت سلطة المصطلح. أتمنى أن يكون الوهم بعيدًا عني هذه المرة، لأنني الآن، كقارئ، أعيد إنتاج العمل من خلال منظور منطق المعمار الروائي الذي بُني عليه النصف الثاني -والأهم- من العمل.

ولكن ماذا عن الجزء الأول من العمل، الذي يمثل الشكل الكلاسيكي للرواية؟ بما فيها من بناء عوالم، ورسم شخصيات، وتحريك للفواعل والأحداث؟ أعتقد أن هذا أيضًا منطقي للغاية، فالرباعية لم تنته بعد، بل لعل الجزء المتعلّق بالعمارة الوحشية في صورته الروائية، ربما يكون واسطة العقد، أو سُرّة مشروع جويطي في رباعيته.

نعم، هذا تعبير ممتاز وأنا مرتاح له: (سُرّة مشروع جويطي الروائي). صحيح أن الرواية ليست عملًا فيزيقيًا بامتياز، كما هو الحال بالنسبة للبناء الفني المشيّد، لكن الروائي العظيم يراها كذلك بالتأكيد. لذلك يُسمّى تشييد الكاتب لعمله الروائي بالـ”مِعمار”. ثم لاحظ: “تشييد” أيضًا.

وقد فعل جويطي هذا التشييد في روايته: أذاب فؤاد المتلقي بالحكايات والأحداث عن الجنرال الذي لم تكتمل لوحة وجهه، وحملها ابنه معه، هرب بها إلى فرنسا، وغيّر هويته، وحياته، لكنه احتفظ بالوجود المشوّه لوجه أبيه، ليحمله معه إلى البلد المشوّه تمامًا. البلد الذي غرق في حرب التحرر من الجنرالات الفرنسيين، ثم غرق مرة أخرى في وجه الجنرال المحلي، الذي يمثل أزمة الروائي الحقيقية، ودافعه لاستخدام الرواية للتحرر من وجهه، الذي لمّا يكتمل بعد، لأسباب تتعلق بالوحشية التي لم ولن تشبع. لذلك، سيقذف بنا الروائي داخل اللون الكونكريتي، في حفرة إسمنتية، لها علاقة مركّبة بكل مكون موجود من حول أبطال العمل الروائي. فالكونكريت هو اللون الظاهر، والذي يعبر عن البشاعة: في المباني، وفي لون الجبال من بعيد، حتى في نفسية السجين، وحارسه، وفي نفس السارد الذي سمع الصوت والأنين، ودل الجميع على الوحشية، الوحشية في فعل السجن، والوحشية في الأداة الإسمنتية التي صنع منها. وها هو جويطي يُدخلها إلى عالم الرواية العربية.

aloqabi4123@gmail.com

كاتب ومسؤول

المقالة التالية

أشهر المقالات

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • صحافة
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

عبدالله العقيبي

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”