عن تاريخ شادي لويس الموجز للخليقة وفن الرواية

عن تاريخ شادي لويس الموجز للخليقة وفن الرواية

شرط الدهشة

في الفصل الأول وأنا أقرأ رواية (تاريخ موجز للخليقة وشرق القاهرة) لشادي لويس، دار العين ٢٠٢٢، كنت أبحث عن مبرر منطقي لوعي السارد أو الطفل شريف، ومع تقدمي في القراءة قلت لنفسي: “بلا خيبة”؛ فجودة وجمال المكتوب أمام عيني لا يمكن لصاحبه أن يغفل تفصيلة من هذا النوع، ثم نسيت أو أجلت -متعمدًا- المبررات والسارد وكل التفاصيل الفنية التي يمكن لي ملاحظتها في القراءة الثانية، وتركت لمتعة القراءة أن تحل محل فساد الرؤية النقدية؛ فالعمل يستحق أن أتجاهل بسببه الأسئلة الفنية، طالما حقق لي من بدايته شرط الدهشة.

حين يتحدث التابع الأخير

في القراءة الثانية لم أجد مبررًا أيضًا لوعي السارد، لكنني تذكرت عدة روايات وأفلام كان فيها السارد طفلًا، وفكرت في النظريات النقدية التي تُفرق بين زمن السرد وزمن الحكاية، وخلصت إلى نتيجة مفادها أن مفهوم السارد في السرد الحديث لا يخضع للمنطق فقط، بل يخضع للسياق وزاوية النظر للحكاية، وحين عدت إلى رواية (على خط جرينتش) عرفت أن شادي ليس من الكتَّاب الذين يخترعون عالمهم الروائي من العدم، وأحسست أن صوت هذا الطفل بشكل من الأشكال توثيق لصورة ما أو لمشاهدات حقيقية، خاصة إذا ما عرفنا أن الكاتب لديه مشروع روائي متعلق بالتوثيق للأقباط روائيًّا، والكتَّاب أصحاب المشاريع يهتمون دائمًا بزوايا النظر للحكاية، وهو في هذه الرواية يقدم زاوية الحكاية من خلال التابع (الطفل) الذي تجرجره أمه معها في شوارع القاهرة، بوصفه تابعًا مقموعًا من قبلها، هي المقموعة من الزوج، المقموع بدوره من المجتمع، فالزاوية التي يريدنا الكاتب أن نرى الحكاية من خلالها هي زاوية رؤية المقموع الأخير في سلسلة القمع، وهذا منطقي؛ فالرواية -كفَنِّ- تحاول دائمًا وأبدًا إظهار صوت المهمّش، التابع الأخير في هذه الرواية.

المعمار الروائي

إذا ذكرنا مصطلح المعمار الروائي، فإن الذهن سيذهب بالضرورة إلى معمار النص، لكن إذا تعمقنا أكثر في فكرة المعمار سنجد أننا نحتاج في بعض الأحيان إلى أكثر من الرؤية الهندسية في بناء النص الروائي، نحتاج مثلًا إلى رؤية عمارة الإنسان نفسه داخل العمل، وعلى أن معمار الرواية بالمفهوم الهندسي ظاهر وببراعة قل أن نجد مثيلها في الروايات العربية، من توازن بين الفصول، وتقسيمها إلى سبعة فصول، وربط هذا الرقم المقدس بكلمة (الخليقة) بذكاء في عنوان الرواية، ثم رسم الخط الزمني المحدد بيوم واحد تقريبًا تقع فيه أحداث الرواية، وكذلك صناعة مكانين متشابهين تمامًا وتبرير وجود هذين المكانين بوجود صانع واحد هي الشركة السويسرية، وغير ذلك من الأمور الهندسية البديعة، إلا أن هناك معمارًا بارزًا كذلك فيما يخص الوجود النفسي للشخصيات، فالشخصيات مرسومة بدقة متناهية، تشعرنا أن الكاتب يمتلك القدرة الفائقة على تفسر لا وعيها، ليس هذا فقط، بل حتى على تفسير وجودها اللحظي، من خلال تكونها السياسي والاجتماعي والتاريخي والديني، فعل ذلك من خلال إذكاء النص بإحالات خاطفة لنصوص تاريخية وأخرى دينية، وتحليلات سياسية، وأبعاد اجتماعية، دون أن يثقل الحكاية بهذه الإحالات إلا في مواضع قليلة، ربما كانت ضرورية ومفيدة للقارئ من خارج الطائفة القبطية في مصر. 

إمكانية جمع العالم في كيس زبالة

لا أعلم لماذا بدا لي المشهد توثيقيًّا، الأب يضرب زوجته في المطبخ، يسمع الضيوف والسارد (الطفل) صرخاتها جراء الضرب المبرح، ثم تقوم الضيفة المريضة بإقناعها بالهروب مبررة سبب مرضها بسوء معاملة زوجها وضربه المتكرر لها، تجمع أم السارد (هيلانة) أغراضها في كيس زبالة وتغادر المنزل ساحبة ابنها معها. لو حكى لي أحد مثل هذا المدخل فقط، كنت سأهتم -قطعًا- بقراءة الرواية، فهذا المشهد الصغير يعبر عن شكل العالم، تعبيرًا واقعيًّا وأمينًا، العالم الذي يمكن لأي مقموع أن يجمعه في كيس زبالة ويغادر، لكن الكاتب لا يكتفي بمشهد المغادرة، بل يجعلنا نتعرف على الوقع في الخارج، وطريقة تعامله مع المقموع، وطريقة تعامل المقموع معه أيضًا، ابتداءً من محاولة إهانته بسرقة الأمور التافهة منه (ملابس داخلية حريمي من محلات تابعة للقطاع العام، وباريه المجند أمام مبنى الكنيسة)، ثم عدم الاكتراث للأحداث و(الجلج) الذي يحدثه جنود مقموعون وثائرون على السلطة، وانتهاءً بفقد الأمل من الكنيسة كحضن مزعوم أو متوقع للمقموعين، ما يجعل من عودة الأم إلى الزوج القامع نتيجة من نتائج تعامل هذا الواقع مع أزمات المرأة المقموعة، التي بدورها تصب جام غضبها على آخر المقموعين في السلسلة (السارد)، والذي من خلاله سنرى الصورة البانورامية لعالم يرزح تحت وطأة القسوة.

ما الذي يمكن مشاهدته؟

يمكن أن نحكي الحكاية من خلال عدة مناظير سردية، الأبرز منها تاريخي، وأنا أقدم التاريخي في بداية كلامي؛ لأن التاريخ مكون رئيس في عتبة العنوان، ولأن المنظور التاريخي لدى الكاتب يؤسس لوجود هذا الإنسان هنا، في لحظة زمن الحكاية (الثمانينيات)، وهو تأسيس غير تقليدي، بمعنى أنه يعبر عن رؤية الكاتب التي قد تتفق أو تختلف معها، خاصة وهذا التاريخ يتقاطع مع التاريخ الديني للطائفة القبطية أيضًا، وهذا محل أخذ ورد، لست أهلًا للحكم فيه. المنظور الثاني منظور سياسي، أسس له الكاتب من خلال وضع الحكاية وتقاطعها مع أحداث تمرد عسكري ضد قمع السلطة، انتهى بالدبابات وخيبة الأمل، وهذا المحدد السياسي يمثل واقعة حقيقية لا سبيل في التغيير واللعب في نتائجها. بينما يأتي اللعب أو التحريك السردي في المساحة الممكنة، من خلال المنظور العائلي للسارد، الذي تتحرك عدسته اللاقطة في هذه المناظير الثلاثة، فتتنوع مستويات الخطاب السردي من خلالها؛ فالسارد التاريخي والسياسي يعبر عن وعي الكاتب لحظة الكتابة، أما الوعي العائلي فيحيل إلى طفولة البطل زمن الحكاية، وتكمن عبقرية العمل في الدخول والخروج من منطقة سردية إلى أخرى، وهذا الفعل يعبر بطبيعة الحال عن معرفة معقدة ومركبة بفن الرواية، وعن مدى قدرته على تحمل ثقل أسئلة الوجود والحياة واللحظة الآنية.

أخيرًا

أستطيع القول بارتياح شديد أن هذا العمل لم يحاول تجنب المحاذير التي تتعلق بحرية الكتابة، بل أقول إنها لم تخطر للكاتب حتى؛ لأن العمل يوجه إمكاناته لفهم الواقع من خلال ممكنات الفن نفسه (فن الرواية)، وهذا ما يجعل له قيمة عليا وعلو كعب على أعمال محايثة، زمانيًّا أو موضوعيًّا، وحتى مع الأعمال السابقة لشادي لويس نفسه، أقول ذلك لأنني أرى أن هذا العمل ناضج فنيًّا بشكل مفزع، ناضج لدرجة أنه مكسب حقيقي لفن الرواية، وأنا لا أعرف إذا ما كنت قد أعطيته حقه في هذه القراءة، لكن بطبيعة الحال مثل هذا العمل يحتاج إلى تراكم نقدي وتعدد في طريقة وأسلوب التناول.

aloqabi4123@gmail.com

كاتب ومسؤول

المقالة السابقة
المقالة التالية

أشهر المقالات

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • صحافة
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

عبدالله العقيبي

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”