لعنة أوبنهايمر

لعنة أوبنهايمر

نمر في هذه الفترة بما يمكن تسميته بـ “لعنة أوبنهايمر”، فلم يتبق أحد من المثقفين أو المهتمين بالشأن الفني بشكل عام إلا وأدلى بدلوه فيما يخص يوليوس روبرت أوبنهايمر (1904 – 1967)، عالم الفيزياء النظرية الأمريكي، ومدير مختبر لوس ألاموس أثناء الحرب العالمية الثانية، الذي أُطلق عيه «أبو القنبلة الذرية»؛ لدوره في مشروع مانهاتن، وهو مشروع البحث والتطوير الذي أنتج أول الأسلحة النووية.

والأمر ليس له علاقة بتاتًا بصحوة ضمير عالمية، أو معلومات جديدة فيما يخص أوبنهايمر، أو قنبلته الملعونة، أو تقهقر العالم الغربي وتراجعه عن تطوير الأسلحة الفتاكة، أو اتساع رقعة الحرية وبالتالي القدرة على قول ما كان يُفترض أن يُقال طوال تلك الأعوام التي مرت على كارثة هوريشيما ونجازاكي، حتى اليابان ذاتها لم يحدث من جهتها أي شيء بهذا الخصوص، كل ما في الأمر أن المخرج والمنتج والكاتب السينمائي البريطاني الأمريكي كريستوفر نولان أخرج وكتب وأنتج فيمًا تاريخيًا جديدًا، عن قصة أوبنهايمر وصناعة القنبلة الذرية، وعن ما وقع له من أحداث غريبة بعد استخدام اختراعه للمرة الأولى والأخيرة، والتي غيرت مجرى التاريخ إلى الأبد.

عدد هائل من التغريدات التي تزداد كل يوم، ومثلها من المقالات، فضلًا عن حلقات ومراجعات اليوتيوب، انفجار كبير، واهتمام غير مسبوق بفيلم، ذكرني بانفجار مشابه قبل عدة سنوات، إبان صدور فيلم الجوكر.

الغريب والذي دعاني إلى كتابة هذه السطور، هو عدم وجود جديد لا قبل الفيلم ولا بعده بخصوص أوبنهايمر، أو تغير ميزان القوى عالميًا، لا شيء على الإطلاق، فما سر هذا الاهتمام الكبير بالفيلم الذي سبقه عشرات الأفلام الوثائقية التي تكلمت عن الحادثة وأسلحة الدمار وعن أوبنهايمر نفسه؟! حتى لو نظرنا إلى خطاب الفيلم ومحاولته -من جديد- تصدير وجهة النظر الأمريكية، التي يعرفها الجميع، والتي سخرت هوليوود معظم مقدراتها المادية والبشرية من أجل ترسيخها، حتى بات البطل والمخلص الأمريكي عملة هذا الزمان التي لا مراء في كونها خيرة حتى لو استخدمت جميع أشكال الشرور، فما الجديد لتثار كل هذه الضجة حول الفيلم؟!

مؤخرًا أصبحت أقيس جودة الناس بمدى تماسكهم أمام ظواهر من هذا النوع، لأنني أظن أنها مجرد شهوة مشاركة، مشابهة لشهوة الكلام، أو لعلها عدوى كعدوى التثاؤب، الأمر في غاية الغرابة، خاصة عندما يتعلق الموضوع بوهم أخلاقية المشاركة حول خطاب  الفيلم، رغم معرفة الغالبية أن الموضوع منفصل تمامًا عن سؤال الأخلاق، إذا ما قسنا القدرة العلمية مقابل التمكن السياسي، من هنا يفترض أن يكون السؤال البارز في الصورة هو سؤال السياسة، فالعالم البشع ما يزال حتى اليوم وسيستمر في استهلاك نتائج نجاحات العلماء -ومنهم أوبنهايمر- العلمية، بغض النظر عما أحدثته من دمار، فالعلم خطير إذا ما قورن بالسلامة التي تأتي من وراء الجهل والغفلة.

طبعًا أنا لا أدافع عن بشاعة العلم، ولا أحمد غفلة الجهل، لكنها أمور حتمية تمامًا، لها علاقة بما يعرف بالتوازي العلمي، بمعنى أن العالم كان يسير في هذا الاتجاه خطوة علمية تتبعها خطوة أخرى، وإذا لم يسبق أوبنهايمر إلى القنبلة كان سيصل إليها غيره، لهذا أعد من العجيب والسخيف في بعض المراجعات عن الفيلم النقمة على إظهار أينشتاين بمظهر الأبله الواقف أمام النهر، أو التي حصرت الموضوع في براءة أوبنهايمر من العمالة لصالح الإتحاد السوفييتي، هذه النظرة الطيباوية القاصرة توضح إلى أي مدى نجحت هيمنة التسويق الثقافي على العالم، وجعلته يعمل لديها بدوام كامل وبدون أجر.

وما هي إلا عدة أيام وينتقل المتابعون الجدد إلى لعنة أخرى يزعجون العالم بها، المؤسف في شأن هذا الطوفان من الثرثرة هو تغييب الصوت الجاد والحقيقي الذي يلامس المخاطر الآنية التي تحيق بالعالم، ويقلل من حضور الأعمال الفنية الفريدة التي تستحق المتابعة والانتباه، ويبدو في الظاهر عدم وجود مفر من هذه اللعنات المتلاحقة التي ستدفع بالناس -حتمًا- إلى العزلة والوحدة الجبرية لا الاختيارية، فمهما كان الكثرة تغلب الشجاعة.

aloqabi4123@gmail.com

كاتب ومسؤول

المقالة السابقة
المقالة التالية

أشهر المقالات

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • صحافة
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

عبدالله العقيبي

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”