في روايته الجديدة (مرحلة النوم) الصادرة عن الكتب خان 2024، يعود محمد خير إلى السرديات الكبرى، العلاقة مع الآخر تحديدًا، وتأثيرها المركزي على الذات، سلبًا وإيجابًا، أقول يعود بنا لأنه في (إفلات الأصابع) كان قد تقدم خطوات عديدة باتجاه التخلي عنها؛ أعني عن السرديات الكبرى، لكن هذه العودة لا تبدو حالة نكوص أو تنازلًا عن الرؤية الفنية التي أسس لها في (إفلات الأصابع)، وقال فيها قولته العظيمة، التي بدت في تصوري ومن خلال مقروئيتي المتواضعة فريدة في نوعها، ما جعلها صوتًا جريئًا ومغايرًا أكثر من كونها تجربة أو ضربة قلم شِعري، تمر سريعًا، دون انتباه، لا، بل هي تجربة كبيرة في أثرها، لها وزنها وكثافتها في خارطة الرواية المصرية والعربية أيضًا.
ما جعلني أبدأ بهذه المقدمة، قبل الشروع في وضع تصوري وقراءتي لرواية (مرحلة النوم)، هو الجدلية المجحفة، التي تضع الكاتب دائمًا في أفق عمله الناجح أو ذائع الصيت، كأنه مُلزم دائمًا أن يضع اعتبارًا لقارئه الأول، أو الذي يتابع أعماله، وهذا التصور وهذه الجدلية على الرغم من أحقية وجودها ومنطقيتها، إلا إنها تبدو سخيفة وبلا معنى إذا ما نظرنا ووضعنا في اعتباراتنا الذات المبدعة، التي تتنقل بين المشاريع الفنية، وتتعامل مع كل مشروع كتابي من خلال أدوات وحيثيات مختلفة تمامًا، قد تتقاطع مع الجين الإبداعي للكاتب، وقد يتعامل معها الكاتب بذكاء وخفة ومراوغة فلا يبدو التقاطع ذا أهمية كبرى، بل إن بعض الكُتَّاب ليس لديه غضاضة في خذلان القارئ الأول، إذا لم يتعمد ذلك أصلًا، وأعتقد أن محمد خير من هذا النوع من الكتَّاب، الذين يتنقلون من مشروع كتابي لآخر بخفة، ومن خلال رؤية شِعرية جديدة.
تتمحور رواية (مرحلة النوم) موضوعيًّا حول الهوية المرتبكة، فوارف -الشخصية الرئيسة في العمل- مترجم مصري بسيط في مجال السياحة، ينتمي من حيث الجذور إلى عائلة قديمة من عائلات مصر الشامية، التي كانت مجتمعًا كبيرًا في يوم من الأيام، لم يبقَ منه سوى أسر قليلة منها أسرة وارف، الأسرة المكونة من أب وأم فقدها وارف في أثناء مكوثه في السجن فترة طويلة، بسبب بوست ساخر كتبه على الفيسبوك، والحادثة تحيلنا إلى فترة ما بعد ثورة 25 يناير 2011، عندما نشطت السلطات في حملة تتبع الناس من خلال تفتيش أجهزتهم الذكية، وبوستاتهم على الفيسبوك. كان مضمون البوست الذي أودى بوارف يتحدث عن فرضية إحلال الأجانب مكان المصريين في قطاعات البلاد، أملًا في انتهاء حالة الفوضى العارمة، التي لاحظ وارف تفاقمها بسبب تصرفات العاملين في قطاع السياحة، والذين يتسولون دائمًا وبإلحاح شديد من السياح مزيدًا من الأموال والإكراميات، ما جعل التهمة الموجهة إليه تذهب نحو طريق غريب وغير واضح المعالم، والكاتب لا يحيل إلى الدعوى القضائية بشكل مباشر، لكنه يحيلنا إلى لحظة القبض عليه، وادعاء أحد الرجال الذين قبضوا عليه: “أتريد احتلالًا لبلدك يا روح أمك؟!”.
تأتي المفارقة اللطيفة في خطاب الرواية في تحقق نبوءة وارف الساخرة، ففي اللحظة التي ضحَّى فيها وارف بنفسه في ذلك البوست، تمثل تحديدًا الواقع الذي أصبح يراه بشكل يومي بعد خروجه، فالوافدون في كل مكان، ويحتلون مواقع كبيرة من جغرافيا قاهرة ما بعد الثورة، حتى أن وظيفته التي حاول طوال الرواية استردادها شغلها وافد يُدعى جيكوب، وفي تكوين سردي ذكي لا يحيل محمد خير إلى نموذج الوافدين التقليدي، بل يختار وافدين من أوربا الشرقية، الأمر الذي جعل للعمل بعدًا فلسفيًّا مغايرًا، فالمعروف أن الأوربيِّين الشرقيِّين لا يتمتعون بمواصفات الإنسان الأبيض من حيث الهيمنة العالمية، على الأقل هم أدنى مرتبة من الإنسان في أوربا الغربية أو أمريكا، كأنه يريد أن يوصل إلينا فكرة ساخرة، مفادها أن السوء بالغ حتى في محاولة تصحيح الأوضاع، واتباع النموذج الأقل تكلفة، وعلى أن الفكرة ساخرة في أساسها، ولا ترقى لمستوى تصوير الواقع بأمانة وحياد، إلا إنها فكرة تستحق التأمل، ففن الرواية يقبل هذا النوع من التكوين اللا وقعي في محاولة تصوير الواقع وتفتيته، والكاتب هنا لا يلجأ إلى الفانتازيا كخيار جاهز، بل يذهب إلى الرؤية الشِّعرية، التي تبدأ من اللغة في المقام الأول، حتى إذا ما أردنا تحييد اللغة الروائية، سيتهالك العمل من جميع زواياه ومكوناته.
أقول ذلك عن اللغة، لأنها الحامل الرئيس للعمل الروائي، لكن هذا وعي شائع إذا ما أردنا التدقيق في الأمر، فالجميع يتحدث عن اللغة الروائية، ويعطيها قيمتها المستحقة، لكن قلما نجد النموذج والمثال الحقيقي لذلك الادعاء. أما في رواية (مرحلة النوم)، فسنجد أن موضوع اللغة هو المكون الأساس، الذي تتفجر منه باقي العناصر الروائية، كان في (إفلات الأصابع) أكثر وضوحًا، لكنه هنا -وبسبب الموضوع الروائي- بدا في صورة وتشكيل مغايرَين إلى حد بعيد، يشبه القائد في الموسيقى، فإذا كانت اللغة في (إفلات الأصابع) تشبه العزف المنفرد، فهي في (مرحلة النوم) تمثل المايسترو، الذي يحرك بقية العناصر الروائية، من شخصيات ومكان وزمان وأحداث وأسلوب سردي. ومن هنا يمكن القول بأن رواية (مرحلة النوم) تمثل حالة النضج في تجربة محمد خير، فاللغة لا تزال هي المسيطرة، لكن مع تشكيل وتوجيه ممتاز لبقية عناصر العمل الروائي كما نعهده عند الأساتذة الكبار في عالم هذا الفن.
هناك موضوع آخر في العمل جدير بالانتباه، وهو التركيز الكبير على مستوى الحكاية، والقدرة الفائقة على اللعب بها تقديمًا وتأخيرًا، وهذا التركيز ألقى ثقله على بُعد رسم الشخصيات، والتنقلات المكانية، والقبض على الزمان في العمل الروائي. وإن دلَّ هذا الأمر على شيء، فإنما يدل على مدى أرق وإلحاح السؤال الروائي لدى الكاتب، ويظهر ذلك جليًّا في قدرة العمل على خلق حالة متماسكة لدى المتلقي، وانسجام تام مع عالم متخيل يعرف المتلقي أنه متخيل تمامًا، ومصنوع من أجل إظهار الخطاب الروائي، لكنه على الرغم من ذلك يحس بالانتماء إليه، ويتمنى أن يعرف إلى أين سينتهي، هل سيعود وارف إلى وظيفته؟ هل سيتجاوز أزمة إحلال الآخر محله؟ وهل ستُهزم الذات في آخر المطاف؟ كل هذه الأسئلة وسواها لا يمكن أن يتفاعل معها القارئ لولا التركيز العالي داخل العمل، تركيز يبدأ باختيار شخصية العمل الرئيسة، وظروف حياتها، وتحولات مصيرها، وعلاقتها بالشخصيات الثانوية، وبالفضاء العام للعمل ببعدَيه المكاني والزماني، وتنتهي بصراعها مع المؤسسة المتمثلة في الدولة في بُعدها السياسي، وبمديري العمل في بعدهم المعيشي، وبأصدقائه وعائلته التي فقدها، وكل ذلك أتى بشكل متجانس تمامًا مع اللغة المستخدمة في العمل، وأسماء الشخصيات، وشطحات الخيال الذي يتصور في مواضع كثيرة داخل العمل حيوانات تظهر ثم تختفي مثل الغزلان والأرانب، وحتى الأحلام في بعدها الما ورائي، فكل شيء داخل العمل واقع تحت سلطة التركيز القصوى، وهذا التركيز -كما أسلفنا- من دلالات وإشارات السؤال الروائي المؤرق، الذي يعد دافعًا أصيلًا لاختيار الشكل الفني (الرواية).
وإذا ما أردت أن أنهي حديثي عن رواية (مرحلة النوم)، فلعلي لا أنسى أمر العتبة الرئيسة المتمثلة في عنوان العمل الروائي، وسأكون صريحًا مع نفسي أولًا ومع العمل وكاتبه ثانيًا، فلا يزال في نفسي شيء من العنوان، فعلى الرغم من طول تأملي لدوافع وأسباب اختياره هذا العنوان، إلا أنني لم أجده يعبر خير تعبير عن الرواية، إلا لو أردنا التقليل من أهمية العنوان، ورغبنا في تجاوزه؛ وقد قرأتُ ذات مرة أن العنوان بالنسبة للرواية يمثل خطام الناقة، الذي يقودها إلى كل مكان، لكنني أتذكر أيضًا رأيًا آخر، يقول: إن العنوان ما هو إلا مقترح مبدئي قد يعتمده الكاتب في نهاية الأمر، أو يحيد عنه إلى مقترح آخر. وأجدني منحازًا إلى الرأي الأول، لذلك أجد أن عنوان العمل منذ البداية –وعلى الرغم من التركيز العظيم في باقي مكوناته- كان نقطة الضعف الوحيدة التي أفلتت من محمد خير، وأجد أيضًا أنه –على الرغم من أنه حاول تبرير عنوانه داخل العمل- كان بإمكانه الركون إلى العنوان الاستعاري كما في أكثر عناوينه إدهاشًا، لكنه مع الأسف لم يفعل ذلك.
