لطالما شغلتني الذات الرقمية، أذكر أنني ظللت فترة من الزمن أتابع الدراسات الاجتماعية التي تتناولها، لكن شيئًا ما كان يقول لي دائمًا: إن تفتيت هذه الذات وتناولها بشكل جاد يبقى منقوصًا خارج السرد الروائي؛ فالتخييل السردي مساحة رحبة وأرض خصبة لتناول هذه الذات العجيبة، بكل تناقضاتها وانفعالاتها الممكنة، وعندما قرأت رواية (الحياة السرية لمها توفيق) للكاتبة المصرية هبة عبد العليم الصادرة عن دار المتوسط 2023، وقفت فعليًّا على تجربة في غاية التكثيف والجمال والأهمية، عن هذه الذات المأزومة، ولعل بيان الرواية يتحمل عدة أبعاد، غير بعد تفتيت الذات الرقمية، مثل البعد النسوي، أو البعد النفسي، أو البعد الاجتماعي، لكنني أزعم أن البعد الأهم فيها هو بعد تتبع نزوات الذات الرقمية، ربما لأن مجرد إسقاطها أو تبديلها في العمل كفيل بهدم جوهر الرواية، وتداعي قيمتها، كما أن حضور هذه الذات مصرح به منذ العنوان (الحياة السرية)، فلا حياة سرية في الرواية إذا استبعدنا شخصية ماتي التي تمثل هذه الذات الرقمية.
أتصور أن قيمة الذات الرقمية في السرد الروائي نابعة من خفتها وقدرتها على التحرك برشاقة بين عالمَين؛ العالم الواقعي الذي تتحرك فيه مها توفيق، المرأة الجميلة، التي تعلمت تعليمًا أجنبيًّا، والمصورة الفوتوغرافية، التي تعمل مترجمة لدى وكالة أنباء أجنبية في القاهرة، الزوجة المطلقة قريبًا، وابنة الرجل الوقور صاحب المنصب السابق في قطاع الآثار، وأخت وليد الشاب الذي كلف نفسه مهمة المحافظة على صورة العائلة المستقرة أمام المجتمع، والعالم اللا واقعي (عالم ماتي) الشخصية المتمردة التي لا تشبه مها كثيرًا في تصرفاتها وضعفها، والتي لولاها لكان العمل الروائي مجرد حالة تباكٍ على مشكلة المرأة المُطلَّقة في المجتمع الشرقي.
لكل من الشخصيَّتَينِ وجود حقيقي داخل المتن الروائي، وكل شخصية تلقي ظلالها على الأخرى، وعبقرية العمل الروائي قائمة على الإخلاص في رسم الحدود بين الشخصيَّتَين، ومن خلال هذا الإخلاص والتركيز في رسم الحدود كانت تتفجر الأحداث، وتتوالد الرؤى الفكرية والوجدانية، وتنشط الحوارات، ما أعطى العمل مساحة تفاعل في غاية الجمال والتحرر، فمع ماتي كل شيء ممكن أن يحدث، التطرف، وانعتاق الذات، واللعب بالعواطف، دون استبعاد للجنس، فمن الطبيعي أن يظهر التحرر الجنسي بمجرد غياب الذات الواعية، وقد تركت الكاتبة لنفسها العنان في هذه الجزئية تحديدًا، ما جعل عملها الروائي فريدًا من نوعه، وبلا مجانية حضور الجنس المعهود في كثير من الروايات العربية، فالجنس الذي أظهرته الكاتبة في العمل، عبارة عن أرجوز جنسي مرضي لدي الرجال الذين عرفتهم من خلال شخصية ماتي، وكأن مها تنتقم من زوجها (طليقها) من خلال تلاعب ماتي بهم، والدليل على ذلك أن الرواية تنتهي دون أن تمكن أحد هؤلاء الرجال من جسدها، الذي هو جسد مها فقط، وكأن وجود ماتي وجود طيفي، وهذا لا ينسحب على النفس المنقسمة طوال الرواية بين اثنتَين، ماتي ومها، وهذا ما عنيته سلفًا بالإخلاص والتركيز على رسم الحدود بين الشخصيَّتَين، فماتي لها كل الحق في المغامرة والتطرف النفسي، طالما سيظل الجسد بعيدًا عن حساباتها، ومها تظل دائمًا تراقب هذه الذات التي أجدها إلكترونية أكثر من أي ذات حديثة أخرى، لأن حضورها كأكونت فيسبوك أساسي ومحوري، بل وتحركها في الحياة مبني على هذه الخفة الإلكترونية والوجود الطيفي، حتى عندما كانت تقرر قتل أحد الشخصيات الذكورية، كان القرار ينفذ من خلال الحظر، كنوع من الإخفاء المتعمد الذي يوازي القتل في الحياة العادية.
لا شك في أن الرواية تعرضت لعمل جبار من ناحية التحرير والمراجعة، لأن الأحداث وطبيعة وجود شخصيَّتَين بجسد واحد، والعلاقات المتشابكة بين الحضور الفعلي والحضور الإلكتروني، كانت محتاجة إلى كثير من الرسم والتخطيط، وبعد الرسم والتخطيط هناك فك التشابك، ووضع الفعل المنطقي في الحسبان، وإعادة ذلك في أماكن مختلفة ومتباعدة في العمل الروائي، دون خطأ أو زلل بسيط، يجعل المهمة صعبة، بل معقدة، لكن الرواية لم يظهر فيها أي تعارض مع المنطق، أو أي تضارب زماني أو مكاني، وهذا دليل على اهتمام وجدية الكاتبة، ومدى الجهد الذي بذلته في تحرير ومراجعة العمل، ومن خلال متابعتي للروايات العربية ومدى الاستسهال في تحريرها ومراجعتها، أجد في هذا الفعل قيمة كبيرة، ودلالة على الحذر الشديد في العامل مع الفن، خاصة أن العمل هو عمل الكاتبة الروائي الأول، وظهوره بهذا الشكل الجاد، يبشر بحضور اسم روائي واعد.
وهناك عناصر كثيرة تُثبت أصالة العمل، وقدرته على أن يكون رواية بالمعنى الحقيقي للرواية، من أهم هذه العناصر الحوار، وظهور الأصوات الذكورية بشكل مباشر، في موازاة الساردة مها/ ماتي، الحوار الذي كان حاضرًا كعنصر مؤسس للأحداث، وذلك بسبب طبيعة الذات الإلكترونية لماتي، فنسبة الحوار المضاعفة في النص جاءت منطقية، ولم تتعارض فنيًّا مع عناصر السرد الأخرى، وجعلت فعل القراءة يتميز بالسلاسة، إضافة إلى الانتباه للفضول الذي يحفزه الحوار كلما كان طبيعيًّا ومنطقيًّا، وهذا العنصر الذكي والواقعي في الآن نفسه، جعل القارئ يتموقع من حيث المشاركة في منطقة المتلصص على الحكاية، القارئ الذي سيزيد وعيه بالواقع الإلكتروني أو بخصوص الأمور السرية التي ظهرت له من خلال الحوار (الإنبوكس)، أو ستجعله على أقل تقدير يؤكد توقعاته عن الحياة السرية داخل الغرف الإلكترونية، وكأن ضمير الإنسان في عصر الثورة الإلكترونية أصبح ملموسًا، ويمكن مشاهدته أو قراءة اعترافاته بشكل مباشر ومخيف، وهذا الأمر يعطي بُعدًا جديدًا على مستوى الخطاب السردي، أعني يعطي القارئ مساحة حية للمشاركة في صناعة الخطاب الروائي.
أخيرًا، تمنيت أن تهتم الكاتبة في التفاصيل التي تخص مها كمصورة فوتوغرافية، فالحضور لهذا الملمح بدا باهتًا بالنسبة لي، تمنيت أن أجدها متجاوزة من هذه الناحية، وبأن يظهر هذا الأمر على لباسها وطريقة تفاعلها مع المجتمع، ومع نوعية الأجهزة التي تستخدمها، بمعنى آخر تمنيت أن تُخدِّم على الشخصية من ناحية وجودها الحقيقي، كما فعلت تمامًا مع ماتي من الناحية النفسية، لكن ورغم هذا الملمح البسيط، تظل الرواية استثنائية، وجديرة بالتناول وخلق حوارات حقيقية حولها.
