“محادثة ليلية” آلام الذكورة عبر الأسلوب السردي الأمثل

“محادثة ليلية” آلام الذكورة عبر الأسلوب السردي الأمثل

كثيرًا ما تساءلت وأنا في خضم القراءة عن السبب الذي يدعو الكاتب لاختيار الشكل السردي، وكلما زادت غرابة طريقة أو أسلوب السرد، زاد السؤال إلحاحًا، في رواية “محادثة ليلية” للروائي وكاتب السيناريو الإيطالي سانشا ناسبيني، والتي ترجمتها أماني فوزي حبشي باقتدار كبير، وأصدرتها دار الكرمة في 2023، ظل السؤال معي حتى منتصف العمل، حين تبين لي عظمة وأهمية اختيار الكاتب لأسوبه السردي، فلا مبرر منطقي طوال النصف الأول من الرواية لأسلوب السرد القائم على فكرة المكالمة الهاتفية الطويلة حد السأم، ولكن ما أن تجاوزت النصف الأول حتى بدا لي أن العمل الروائي ما كان ليذهب بعيدًا على المستوى التعبيري والخِطابي، لولا هذا الأسلوب السردي الفاتن والممتع، وحسنًا فعلت حين صبرت على رتابة الجزء الأول، الذي كان الكاتب من خلاله يؤسس لطبخته المسمومة.

 

تعودت من خلال الروايات التي اعتدت على قراءتها، أن أجد مفاتيح العمل من خلال الجزء الأول منها، الذي تعودنا على تسميته بـ(الاستهلال) لكن أن يستمر الاستهلال إلى منتصف العمل فهذا عمل شاق، على القارئ والكاتب على حدٍ سواء، لكن مع إصرار الاثنين (القارئ والكاتب) وتحولات العمل بل وقفزاته، بعد الخروج من مرحلة الاستهلال، تكون مهمة الكاتب أصعب بكثير، فبعد أن يبدأ القارئ في مطالبه الكبيرة، قلما نجد كاتبًا يتحكم في العمل، إلا لو كان لعينًا وخبيثًا وفنانًا مثل هذا المدعو سانشا ناسبيني، فقد جعلني في لحظات أتوقف لأخذ نفس عميق، ومن ثم معاودة القراءة بثقة كبيرة على مدى قدرته على مفاجأتي في كل تفصيلة صغيرة داخل العمل الروائي، من خلق الشخصيات، وترتيب الأحداث، وتأثيث المكان، واللعب بالزمان والمكان، والدخول إلى عمق الذات الإنسانية، كل ذلك مع الربط الكبير والمفزع مع ما كنت في البداية أدعي رتابته (أعني الاستهلال الطويل)، فقد اتضح ألَّا شيء مجاني منذ البداية، ما جعلني أحس بأن الرجل يمد لسانه لي ويقول: “يا لك من عجول، وأحمق”!

 

كل ذلك لن يكون له أثر كبير عليَّ لولا صدمة المنعطف الأخير في الرواية، الذي حولها من الخطاب الذكوري المتماسك إلى قلب النسوية الصارخة، بل المتطرفة، ولن أبالغ لو قلت إنني شخصيًا شعرت بآلام سحل الذكورة على الإسفلت، لقد مرغ الرجل صنوه في وحل من أعمق أوحال النسوية، وأكثرها دناءة وخسة، قد يظن البعض أن في كلامي هذا نوع من المبالغة، حسنًا لن أحرق أحداث العمل لأثبت وجهة نظري، قارئ العمل من الرجال سيتذكر مدى صدق كلامي، أستطيع القول إنني لم أقرأ في حياتي عملًا روائيًا أشعرني بالحقد وتقلب المزاج مثل هذا العمل الفذ، الذي أخرجني من لا واقعية العمل إلى إمكانية حدوثه، فالعمل أشبه ما يكون بالنبش الخبيث والماكر في الضمير الذكوري، الذي يظن على الدوام باطمئنان خططه تجاه الجنس الآخر، فما أن يستقر في موقعه الأعلى حتى يهوي به إلى سابع أرض، لقد مثل في العمل حالة الرغبة في انشقاق الأرض وبلع الذات الذكورية، وياله من شعور.

كل ذلك لم يكن لحصل لولا اعتماد الكاتب لتقنية المكالمة الطويلة، بين اثنين، رجل دائخ جراء اعتمال الخمور في رأسه، وامرأة تشعر بالملل وتحدوها رغبة جامحة في تدمير شخص آخر، ولسوء الحظ كان الشخص على الخط مسكين متزوج، له تاريخ حافل باح به كله، بينما زوجته على الهاتف الآخر تسمع كطرف ثالث، لا ينكشف وجودها إلى بعد فوات الأوان.

aloqabi4123@gmail.com

كاتب ومسؤول

المقالة السابقة
المقالة التالية

أشهر المقالات

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • صحافة
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

عبدالله العقيبي

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”