في الأيام القليلة الماضية لم أكن مستقرا، أفكاري كانت مشتتة، ونومي متقطع، وخيالي كأن مواء مستمرًا حل فيه، لكنني حظيت البارحة بنومتي المنتظرة؛ النومة التي أصلحت التشويش.
استيقظت قبيل الفجر، غسلت وجهي وقضمت قضمتين صغيرتين من (كيكة) باردة كانت في الثلاجة، لا لجوع بل لأستسيغ طعم السيجارة. بعدها أطلقت قدمي.
بابي الملقى على رصيف الشاطئ ليس ذا امتداد إلى الأمام لذلك لا يترك لي سوى خيارين اثنين، الخيار الدائم يمينا نحو المتنزه، والآخر – المخيف – نحو المرسى مرورا بمقبرة الشاطئ الصغيرة، ودون أن أدرك، وجدتني أسير إلى المرسى، ربما اقتادتني علبة (الكولا) التي أخذت أركلها بمشط قدمي أمام بابي، العلبة التي وترت صمت الليل، انتبهت لنفسي عندما حاذيت سور المقبرة الموحش، و في النقطة الضيقة التي يلامس فيها الشاطئ سور الموتى الرطب لم أجد دحرجة العلبة فابتلعتها الموجة.
بدا المرسى باتساعه أمامي، وبمراكبه التي تتمايل كالهوادج، المراكب الكبيرة والصغيرة كانت خاضعة تماما لموسيقى النسمة الناعمة والموجة، تتراقص بدلال، وتجول بهدوء في الحدود التي تتيح لها القيود على الرصيف. أشعلت سيجارة أخرى احتراماً لهذا الصفاء العارم.
اقترب مني مركب صغير متمرد على الايقاع، اقترب حتى لامس أنفه الرصيف عند قدمي، قريبا من قيده الجديد.
حين جاء الصيادون والنوارس بالفجر لم أخش استغرابهم، ولم يعد يوترني سور المقبرة الذي ازداد شحوبا، بل طفقت أتابع في سكون الهارب الصغير الذي أوشك الأفق أن يبتلعه.
* من مجموعة «صوت الموجة» – نادي المنطقة الشرقية – 2008
