تبًا كخطأ مقصود في ترجمة الأفلام

نبذة

 

البذاءة هي توابل الكَلِم التي تمنحه طعمه الحريف. فلفلٌ أحمر مسحوق في عين اللياقة الباردة. حباتُ ملحٍ على لسانٍ ترهَّل من لعق السُّكَّرين. نفثة مصدورٍ أطبق على رئتيه وقارٌ رصاصيّ. إنها ليست قِلة أدب، بل هي شكلٌ متطرفٌ من الأدب، أدبٌ لا يخشى الاتساخ، إنها الشكل الخام الصارخ للغضب الذي يأبى الاكتفاء بالهمس.

وبما أننا أتينا على سيرة الغضب والبذاءة، فأذكر أنني قرأت ذات مرَّة عن معيارٍ غريب لتحديد اللُّغة الأم للأشخاص الثنائيي اللُّغة، يتمثَّل في أن اللغة التي يسبق لها اللسان بالسب والشتم عند التعرُّض لموقف عصيب يستفز المشاعر تكون هي اللغة الأم المعتمدة، لأننا نعود إلى لغتنا الأم كالأطفال حيث يصفعنا الغضب. وحتى لا يكون الكلام شاعريًا فحسب، فقد أُجريت دراسة بعنوان “إدراك الكلمات البذيئة لدى متعلمي اللغة الإنجليزية الفرنسيين” باستخدام قياسات “النشاط الكهربي للجلد” (electrodermal activity) -وهو مقياس للاستجابة العاطفية اللاإرادية- فوجدوا أن المتعلمين الفرنسيين أظهروا استجابة عاطفية (تعرّقًا لا إراديًا) أقل بكثير للشتائم باللغة الإنجليزية مقارنة بالشتائم الفرنسية، الأصيلة في تكوينهم. فحتى، يا حلو، لو تحايلت على عقلك، فإن جلدك لا يكذب. جسدك يعرف لغته الأم، ويرتجف لها، ويغضب بها.

وفي دراسة أخرى بعنوان “الرقابة وصيانة المحرمات في الشتم باللغة الأم واللغات الأخرى“، يوضح الباحثون أن الكلمات البذيئة في اللغة الأم (L1) تُعتبر دائمًا أكثر قوة وحرمة وتأثيرًا عاطفيًا من نظيراتها في أي لغة أخرى (LX). ويُقدِّمون مثالًا مذهلاً: في السويد، تُفرَض رقابة على الشتائم السويدية في النصوص المكتوبة (باستخدام النجوم ***)، بينما تُترك الشتائم الإنجليزية كما هي. لماذا؟ لأن الشتيمة السويدية “حقيقية”، لها وزن، وقادرة على إحداث جرح فعلي. أما الشتيمة الإنجليزية، فهي مجرد ديكور، بهار لغوي لإضفاء نكهة “عصرية”. وأظنّ أننا نعاين بأنفسنا الأمر ذاته في واقعنا العربي، كلمة عابرة هنا أو هناك تزلف من لسانك بالعربية كفيلة بخدش حياء الأُمة وثني عود الفضيلة، بينما سيلٌ جارفٌ من “الفَكْفَكْة” وأخواتها من البذاءات الأعجمية، تبدو روشنةً لها جاذبيتها لمُجرَّد أنك ترطنها بالإنجليزية. هذا يخلق نظامًا من مستويين: شتيمة أصيلة محرمة، وشتيمة مستوردة للاستهلاك اليومي لا تخلو من خِفَّة ووقعٍ لذيذ.

 

“تبًا”: حين تموت حرارة الشتيمة في ثلاجة الترجمة

 

وبمناسبة “الفَكْفَكْة”، فثَمَّة طقس مُقدَّس يربط جيلي الثمانينيات والتسعينيات. طقس يتجاوز الأيديولوجيا والجغرافيا، اسمه “شريط الفيديو”. كان لهذا الطقس كاهنه الأعظم، اسمه “أنيس عبيد”، الذي كانت معامل ترجمته في مصر بمثابة الفاتيكان الذي يمنح صكوك الغفران اللغوي للأفلام الأجنبية قبل توزيعها على الرعايا الناطقين بالعربية. في هذا العالم، كان “آرنولد شوارزنيجر” يُفجِّر مبنى كاملاً بعضلاته المفتولة، ثم ينظر إلى الكاميرا وقد علا وجهه الغضب ليصرخ بأعلى صوته: “تبًا”.

إنها خطأ مقصود ثقافيًا ورقابيًا، كما أسماها الشاعر والناقد السعودي عبدالله العقيبي، الذي بنى على أنقاض هذه الكلمة الميتة، ديوانًا حيًا بشكلٍ مؤلم؛ مرثية طويلة للغضب الذي لم نتمكن من التعبير عنه، وللحياة التي نترجمها لأنفسنا بشكلٍ خاطئ كل يوم.

ولعلنا نفهم لماذا تخيَّر الشاعر أن يبني ديوانًا كاملاً على أساس “شتيمة باردة”، عندما نتأمل التضاريس النفسية التي تشكَّلت فيها روحه. يخبرنا العقيبي عن عن أبٍ أُمّي بسيط قطع الطريق إلى جدّة في رحلة مجنونة سيرًا على الأقدام، واستوطن لنفسه عشَّةً من صفيح، وبدأ حياةً قاسية غير أنه “كان يتألم إذا ذبحت الأم دجاجة”. هذا أبٌ لا يورّث أبناءه قاموس الغضب، بل يورّثهم “فزع الوجود” الصامت الذي رآه في عينيه وهو يحكي عن رحلة نجاته من المجاعة في ينبع إلى جدة من أجل كسرة خبز. إنه إرث المعاناة المكتومة، لا الصرخة المدوية. في المقابل، كان هناك الأخ الأكبر، “الأب الثاني”، الذي تولى مهمة التأديب القاسي، وتلك الصورة لا تبرح الديوان أيضًا: «يجري أخي الأكبر في الشارع وراء ابنه الأوسط شاهرًا مسدسه»

هنا تتشكَّل المعادلة: الألم حقيقة وجودية (الأب)، والتعبير عنه يُقمع (الأخ). النتيجة هي شاعر لا يصرخ، بل يراقب، يُحلِّل، مُحوِّلًا الألم إلى صور سريالية هادئة.

 

مانيفستو الخطأ: حين تصبح الخسارة مشروعًا فنيًا

 

لا يضيع العقيبي وقتًا. القصيدة الأولى هي “مانيفستو” لهذا العالم الشعري الجديد. إنها لا تدعو للثورة، بل تدعو إلى احتراف الخسارة. بعد أن أمضينا حياتنا نرتكب أخطاءً عشوائية في الحب والعداوة، يقترح علينا الشاعر الآن خطة عمل احترافية:

«الآن بعد أن تدربنا من أخطائنا السابقة

علينا أن نكون جيدين هذه المرة

ونختار خطأً كبيراً

ومحكماً

علينا أن نقترف خطأً يأخذ كل شيء مرة واحدة»

هذا هو قلب الفلسفة الوجودية مُقطَّرًا في ستة أسطر. نحن هنا نتجاوز كامو وسيزيف. نحن في حضرة نسخة معكوسة من “قفزة الإيمان” عند كيركجارد؛ إنها “قفزة الخطأ”. بما أن الكمال مستحيل والنجاح وهم، فإن الفعل الأكثر أصالة وحرية هو أن تختار فشلك بنفسك، أن تصممه بإتقان، أن تجعله تحفتك الفنية. هذا الموقف يفسر سخريته الدائمة من “جدية” الأدباء، وقوله إن الشعر “حفلة سيرك”. فما هو “الخطأ الكبير والمُحكَم” إلا أروع وأخطر حركة بهلوانية في هذا السيرك؟

ويبدو أن عبد الله مُولَع على الدوام بثيمة خسارة كلّ شيء دفعة واحدة، واللعب بحريَّة وسَكينة من لا يخشى الفقد. ففي ديوانه “يهجم يهجم يهجم” الصادر حديثًا عن هيئة الكتاب المصرية، رأيتُه يتلمَّس “نظرة خاطفة للوراء”، ويراود “حلمًا خفيفًا”، ويتوخَّى “مجرَّد تشابه في الوجوه والأسماء”، لأن “هذه الأشياء يمكنها أن تعيده إلى الماضي، حيث فقد كلَّ شيءٍ دفعةً واحدة”.

 

ميتافيزيقيا القمامة: سريالية اليومي كمرآة للروح

 

يستخدم العقيبي تقنية “التشييء”، فيضع الأشياء اليومية تحت مجهر شاعري حتى تتضخم وتتحول إلى وحوش وجودية. إنه لا يخبرنا عن مشاعره، بل يرينا إياها كأشياء مادية في الغرفة، وهذا هو جوهر الحداثة الشعرية.

ففي قصيدة “الليل الفائض”:

«أحمل ليلاً فائضاً في كيس بلاستيك أسود

وأضعه بالقرب من حاوية القمامة الزرقاء

أستحي أن أعطيه لأحد

إنه ليلٌ بارد

وبدأ يتعفَّن من الأطراف»

هذه ليست استعارة، بل هي مشهد من فيلم رعب وجودي. الحزن هنا ليس شعورًا داخليًا، بل هو جثة، فائض إنتاج بائس، عبء مادي يجب التخلص منه بخجل. هذا هو صوت الرجل الذي يفضل أن يبقى في الظل “وسط تجاهل الأقران التام”. إنه لا يواجه العالم، بل يتخلص من فضلاته العاطفية في عتمة الليل.

وفي قصيدة أخرى يتحوَّل هو نفسه إلى البيت:

أنا البيت

أسناني من القرميد الأحمر الجميل

وثيابي الستائر التي تشاهدونها في إعلانات شركة سيدار التليفزيونية

قلبي هذه الحديقة الخضراء المفتوحة أمامكم على الدوام

هذا التشييء للذات هو أقصى درجات الاغتراب. الشاعر يصف نفسه ككائن معماري، واجهة عامة جميلة تخفي حديقة داخلية. هذا ليس مجرد مجاز، بل هو تشخيص دقيق لحالة الرجل الذي يفضل أن يكون مكتبة على أن يكون إنسانًا اجتماعيًا، والذي يرى ذاته من الخارج، كمراقب غريب.

 

“تبًا!” كنشاز وجودي: فن الـ Anti-Climax

 

القصائد التي تنتهي بـ”تبًا” هي عروض مسرح العبث المصغرة. الكلمة تعمل كقاطع كهربائي يفصل التيار عن أي شحنة عاطفية كانت القصيدة تبنيها. إنها الـ anti-climax (اللا-ذروة) في أبهى تجلياته.

في قصيدة الحزن، يرسم لنا الشاعر كيانًا أسطوريًا شريرًا “

اخترع الانتحار

واللاجدوى

وقتل حبيبتي”. التعداد ملحمي، تراجيدي. ثم تأتي الضربة القاضية الساخرة: “تبًا!”. الكلمة هنا لا تقلل من حجم المأساة، بل تزيدها عبثية، كأن تقول “عفوًا” بعد أن تسقط قنبلة نووية. هذا هو صوت صمويل بيكيت، صوت شخصية تنتظر الخلاص فلا يأتي، فتكتفي بتنهيدة ساخرة تعلن نهاية اللعبة. إنها صوت الشاعر الذي يقول إن الحياة “حفلة سيرك”، وهذه الكلمة هي اللحظة التي يخلع فيها المهرج قناعه المبتسم ليكشف عن وجه متعب وفارغ.

وفي قصيدة أخرى، يناجي العالم:

إنه (عالم) فلماذا يشغل نفسه بي؟!

عليه حقاً أن يهتم بأناقته

ولا يفهم أبداً فكرة أن يدع شخصاً مثلي في حاله

تبًا!

هنا “تبًا” مُوجَّهة إلى العبث المطلق. عبث أن تكون كائنًا لا مرئيًا في عالم نرجسي لا يراك، ومع ذلك تشعر بثقله عليك. إن وظيفة “تبًا” هي منع الكاثارسيس (التطهير العاطفي – التنفيس الوجداني). إنها ترفض أن تمنحنا متعة الصرخة أو الدمعة، وتجبرنا على البقاء في منطقة رمادية من الحيرة والسخرية والأسى الهادئ.

 

شبح الأب 

 

يطارد شبح الأب ديوان العقيبي، ليس كذكرى عابرة، بل كأسطورة تأسيسية تُشكِّل وعي الشاعر بالعالم وتضبط إيقاع حزنه الصامت. هو لا يظهر كشخصية بقدر ما يتجسَّد في رمزين متكاملين وقاسيين.

الأول هو الأب الحالم في قصيدة “الحذاء اللامع المليء بالرمل”؛ وفيها استعارة عبقرية للحياة المزدوجة التي عاشها: قشرة النجاح والوقار الخارجية (“الحذاء اللامع”) التي بناها الأب الأمّي لأبنائه بعد رحلة شقاء، تخفي تحتها ثقلاً هائلاً من المعاناة والتاريخ المسحوق (“الرمل”). هذا الرمل هو إرث “الفزع من الوجود” الذي ورثه الشاعر عن أبيه، وهو الوزن الخفي الذي يُفسِّر ثقل كل قصائده.

أما التجسُّد الثاني، فهو “روح الأب” التي تصرخ من النافذة محاولةً منع كارثة عائلية، لتصبح ضميراً عاجزاً، صوتاً للخير في عالم لم يعد يصغي. إن قفزة روحه اليائسة في النهاية ليست مُجرَّد حدثٍ سريالي، بل هي إعلان عن هزيمة هذا الإرث الأخلاقي الهادئ أمام عنف الحاضر.

ومن هذين التجسُّدين، يرث الشاعر معادلته الوجودية: لقد أخذ من أبيه ثقل الرمل وصوت الضمير العاجز، فصار هو نفسه يراقب العالم من نافذة، مُحمَّلاً بعبء لا يمكن التعبير عنه إلا ببرود ساخر، بـ “تبًا”، وهذه هي المأساة المترجمة: واجهة لامعة من القوة والنجاح (الحذاء)، وباطن يرزح تحت ثقلٍ لا يُرى (الرمل). هذا الأب هو التجسيد الحي لكلمة “تبًا”: كلمة فصيحة، لامعة، تخفي وراءها عجزًا عن التعبير عن الألم الحقيقي. وهذه هي الـ”تبًا” الأصلية التي ورثها الشاعر عن سلالته. وبالتالي قراره بالاستقرار في هدوء ينبع وعزلتها بدلًا من جدّة ليس مجرد خيار جغرافي، بل هو تكريس لهذه الحالة الوجودية: اختيار واعٍ للظل، للمراقبة عن بعد، بعيدًا عن “صخب العائلة الكبيرة” وصراخ العالم الفج.

 

الحب كخطأ من طرف واحد

 

إذا كان الديوان كله عن “الأخطاء المقصودة”، فإن الحب هو الخطأ الأجمل والأكثر إيلامًا. يعترف العقيبي في حواره: “الحب من طرف واحد هو الحب الذي أعترف به أصلاً”. هذا الاعتراف هو المفتاح لفهم قصائد الحب في الديوان. الحب ليس تلاقيًا، بل هو مسافة، خيال، مشروع شخصي لـ”تعذيب الذات”.

«بيننا اسم ذاك الجبل – الذي لم أره – في قريتك

وتلويحة يدك اليمنى المليئة بالبناجر وأنت توضحين لي معنى اسمه البعيد جدًا

بيننا شارع مبجل في قصص ف س نايبول

بيننا الاستعارات في قصائد بابلو نيرودا

بيننا الحزن في أفلام داود عبد السيد

بيننا قدم العائلة التي تركلنا من المؤخرة كل مرة نعود فيها

بيننا ذلك القطيع من الأحلام

والذي لا نعرف متى يتوقَّف

بيننا التحدي الدائم في وصف أفضل طريقة للهرب

بيننا قلبة خجولة أتت بذريعة فيلم Sweet November

بيننا شيء يشبه الحب الذي يموت مبكراً»

الحب هنا ليس علاقة بين شخصين، بل هو مساحة ثالثة مصنوعة من المرجعيات الثقافية (نيرودا، الأفلام)، والذكريات، والأحلام، والجروح المشتركة. إنه حب “مترجم”، غير مباشر، قائم على الوسائط. موته المبكر ليس مأساة، بل هو مصيره الحتمي، لأنه لم يكن حقيقيًا بالمعنى المباشر قط. إنه مجرد “خطأ مقصود” آخر، جميل ومؤقت.

غير أني في تجربة قراءة هذا الديوان، استوقفتني أشياء، منها الشكلي، فعندك مثلًا قصيدة:

اللحظات التي أستفيق فيها من النوم وأنا على سريري وأحتاج لدقائق

لأعرف أين أنا

اللحظات التي أستنكر فيها ما أنا عليه استنكاراً بالغاً

لدرجة أكره فيها أي شخص قريب

اللحظات البيضاء كورقة الـ 4A

اللحظات الخارجة تمامًا عن زمن أي حكاية

اللحظات ذات الوخز

وهذه اللحظات تحدث مراراً

هي البؤس الوحيد المتبقي منك!

“هي البؤس الوحيد المتبقي منك!” هذه الجملة جاءت بأسلوب الالتفات من المتكلم إلى المخاطب، وفي ظني لم يكن ثمَّة بأس من استئناف نمط المتكلَّم “مني” بدلًا “منك”، أو من الأفضل إجراء تعديل للتنسيق الداخلي بوضع فاصل بين هذه الجملة وبين الجملة التي تسبقها، مع الإبقاء على أسلوب الخطاب، لإبراز الالتفات بشكل أوضح.

أما ما استوقفني مضمونًا، فكانت القصيدة التاسعة، التي يقول فيها عبد الله: “لا تكن أكيدًا.. الأكيدون وجدوا الكراهية

تخفَّف أنت.. كن شاكًا دائمًا. من أجلك أنت.. ومن أجل المحبة”.

لا يسعني إلا أن أقول كما قالت الست ليلى مراد في أوبريت الحبيب المجهول: كلام جميل، كلام معقول، مقدرش أقول حاجة عنه. لكن خيال حبيبي المجهول مش لاقية فيك حاجة منه.

فأنا لا أدعي معرفةً وثيقةً بعبدالله العقيبي، ولم أقرأ بعد كل كتاباته، ولكن مما قرأت له، فهذا رجل كالطير الغَرِد: دنياه روضته، وشريعته طبيعته، ودأبه أن يطير في الغيم والصحو، ويشدو في الطرب والشجو، وكما يسقط الطير على الحَبْ، يسقط هو على “اليقين” أينما انتثر!

هذا رجلٌ يتقاطر منه اليقين، حادٌ حديّ في آرائه، قاطع وقطعي في معتقداته.

 

فعن أيّ شكٍّ تتحدَّث يا عبد الله!

 

ورغم أني لا أحب المواربة في الفن والأدب، ويستهوني الغضب الحارق الذي يستقوي بالبذاءة إذا لزم الأمر، لكن للأمانة ديوان “تبًا كخطأ مقصود في ترجمة الأفلام” هو تشريح دقيق لحالة “الغضب المترجم” التي نعيشها، ليس فقط في الأفلام، بل في حياتنا اليومية. نحن نعيش في عصر نشعر فيه بمشاعر حارّة وأصيلة، لكننا نُجبر على التعبير عنها بلغة باردة، مستعارة، ومحنطة.

عبدالله العقيبي، ابن الرجل الذي كان يؤلمه ذبح دجاجة، لم يكتب قصائد غاضبة، بل كتب عن استحالة الغضب. لقد حوّل العجز عن البذاءة بفجاجتها إلى مشروع فني، وأخذ أضعف كلمة في قاموسنا العاطفي، “تبًا”، وجعلها الكلمة الأقوى والأكثر صدقًا لوصف خيباتنا الصغيرة والكبيرة. إنه يخبرنا، بهدوء ساخر، أن مأساتنا الكبرى ليست في أن العالم سيء، بل في أننا فقدنا حتى الكلمات المناسبة لشتمه.

 

* محمود عاطف – سويد 24 بالعربي 2025/11/8

 

 

دار أثر 2019
(112 صفحة) من القطع المتوسط
لوحة الغلاف: غادة خليفة

 

أضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”