كان حلماً غريبًا، حين استيقظ منه أحس برغبة في المشي، ذرع شارعًا مليئًا بالمقاهي والمحال التجارية، أحس أن باستطاعته سماع وشوشات المارة لأنفسهم، لم يبذل جهدًا كبيرًا في الإنصات إليهم، ولم يبد متفاجئا، أحس بالنشوة، وأخذ يوزع الابتسامات.
مر بامرأة وحيدة على مقعد مقهى صغير، سمعها تقول لنفسها:
– سأشرب هذا الكأس ثم أتصل لأعتذر منه، لا ..لا سأنتظر قليلا ربما يتصل هو ليعتذر.
رفع حاجبيه، حدجته بنظرة وواصلت حديثها مع نفسها. تجاوزها مبتسما، وسمعها تشتمه:
– على ماذا يبتسم هذا الأحمق؟!
رجل يمشي مع ابنته الصغيرة وزوجته، دَرَجَ بالصدفة خلفهم، سمع الرجل وهو يفكر:
– كيف أستطيع إقناعها بالتخلي عن فكرة المدرسة الأهلية؟!
سمع الزوجة:
– لعلي أجد محل (لانجري) على طريقنا؛ وأشتري ثوب نوم فاتن، لأستطيع أن أفاتحه مرةً أخرى بأمر المدرسة الأهلية.
اقترب أكثر من الطفلة وانحنى قليلًا، فسمعها تقول:
– سأهددهم، سأقول لهما إنني لن أذهب غدًا إلى المدرسة!
ثم صاحت الطفلة بصوت مسموع:
– (بابا .. ماما، لن أذهب غدًا إلى المدرسة لا أريدها، زميلاتي في مدارس أهلية.. واللّه لن أذهب غدًا)
المسكين بدا مكتظًا بالأسئلة، لعله لم يكن يتوقع أن تتكلم ابنته بلسان أمها، نظر إلى الأم بدون أن يتكلم والشرر يتطاير من عينيه:
– أقنعتها الملعونة!
وهو في قمة تركيزه في حوارات العائلة الصغيرة لمح لوحة نيون تومض لمحل لانجري، فنظر بسرعة ناحية المرأة وسمع ضحكتها تجلجل داخلها:
-لا نجري.. لم نعد بحاجة إليه، ابنته في المقدمة!
انشغل قليلا عن العائلة بسيارة فارهة للغاية، واقفة بشكلٍ طولي بمحاذاة الرصيف، أنصت لطفلٍ في مقعدها الخلفي، كان الطفل يسترق النظر إليه، وسمعه:
– كم يبدو هذا الرجل مسكينا، حتى أنه خرج من بيته دون أن يغسل وجهه!
رفع رأسه ضاحكاً وحيا الطفل بيده وتخاطر معه (شكرًا.. شكرًا.. ملاحظة قوية أيها الطفل الذكي).
تجاوز السيارة، فحوَّل الطفل جسده بالكامل وتابعه عبر الزجاج الخلفي وهو مفزوع:
– كيف سمعني؟!
قال في نفسه: هذا السؤال الذي سيسعدني أن أعرف جوابه يا صاحبي.. والذي أنساني غسل وجهي!
تابع كثيرًا من الناس.. كثيرًا جدًا، لم يكن ينزعج من تداخل الأصوات، بل إن الأصوات كانت متناسقة كتناسق أصوات (السيمفونية).
لكنه عند إحدى المنعطفات توقف فجأةً، شغلته عن أصوات الناس فتاة جميلة لها عينان زرقاوان، وقصة شعر قصيرة – كما يحب تماماً – اقترب منها، كانت تمشي في سكون تام، حاول أن يسمع وشوشاتها لنفسها، غير أنه لم يسمع إلا صوت موجة هادئة، تملكه الاستغراب، فانتبهت لنظراته وتوجست منه، مشت بخطوات متسارعة، فوسع خطواته، أخذت تتجاوز المارة بسلاسة ماء، أما هو فبدأ يعتذر من الناس الذين يصدم بهم ويسمعهم:
– حقير!
– أحمق!
– همجي!
– ببطء.. ستلحق بها.. لن تطير.
(ابتسم للعجوز، التي بدا أنها تستمع إليه هي الأخرى)
كادت أن تختفي، لكن صوت الموجة كان يزداد وضوحًا، هدأ من سرعته، هي الصفحة الوحيدة الملونة في ألبوم الصور. شعر بذلك، وظل ينصت للموجة.
أخيرًا وجدها تنتظره في محل خاص ببيع التحف القديمة.
لقد عادت إليه ككرة قذف بها إلى الشاطئ.
* من مجموعة «صوت الموجة» – نادي المنطقة الشرقية – 2008
