منذ القِدم ارتبطت البلاغة بمفهوم التصغير (التقليل)، حتى باتت البلاغة عند البعض لا تُعَّرف إلا بها، فقد قِيل في تعريفها قديمًا: «البلاغة التقليل»؛ أي القصد إلى عين الحجة بتقليل الألفاظ. بينما ظل الفن التشكيلي الكلاسيكي مشغولًا بمبدأ التناسب المثالي للجسد الإنساني، متأثرًا بما ورثه عن اليونان في فكرة «النسبة الذهبية». لكن فرناندو بوتيرو قلب هذه المعادلة رأسًا على عقب، فبدل أن ينكمش الجسد ليتوارى في هامش الدلالة، تمدّد عنده حتى ضاق به الإطار، فشخصياته تتضخم، ولا تضيق، وتتوسع إلى حدّ يبدو فيه المشهد وكأنه يهدد بالخروج من حدود اللوحة أو الكتلة النحتية.
يقول الناقد إدوارد لوسي-سميث عنه: «بوتيرو لا يرسم الأجساد ببدانتها بل بفيضها، كأنها تُعلن عن فائض من الحياة أكثر مما تُعلن عن ثقلها». وفي هذا الفيض تنشأ الجمالية البوتيرية، جمالية التضخيم، التي تحتفي بالجسد بدل أن تسخر منه، وكما أنها تعيد إليه كرامته عبر حجم يتحدى أعراف الذوق الكلاسيكي.
واللافت أن التضخيم عند بوتيرو فلسفة جمالية لها جذورها في وعيه، فالجسد حين يتضخم يغدو مرآة للعالم. لقد قال هو نفسه ذات مرة: «أنا لا أرسم شخصيات سمينة، أنا أرسم شخصيات ممتلئة. الامتلاء عندي ضرورة فنية، لا موضوعًا في ذاته». وهنا يتجلى الفرق الدقيق: فالتكبير لديه يعني البحث عن مساحات أوسع للجمال، كما لو أن الجسد البوتيري يحمل داخله اتساع الكون.
وإذا كانت البلاغة اللغوية قد استخدمت التصغير للتلطيف أو الإيجاز وأغراض أخرى ليس هذا محل التفصيل فيها، فإن بلاغة بوتيرو التشكيلية تستخدم التضخيم للتكبير من قيمة الوجود الإنساني. ففي كل وجه مكتنز، وفي كل ذراع ضخمة، وفي كل التفافة جسد تفيض على المكان، تكمن رسالة مفادها أن الإنسان أثقل من أن يُختزل، وأوسع من أن يُختصر.
في لوحة «الموسيقيون» نرى أجسادًا ضخمة تحاصر الآلات الموسيقية الصغيرة بين أيديهم. هنا يُظهر بوتيرو مفارقة بالغة الذكاء: فبينما يُفترض أن الموسيقى تملأ الفراغ، تبدو الموسيقى في لوحته عاجزة عن منافسة امتلاء الجسد البشري. يضعنا الفنان أمام سؤال: من الأجدر بالاحتفاء، الصوت العابر أم الجسد الكثيف الحاضر؟ التضخيم هنا ليس مجرد زركشة شكلية، أو تعبير كاريكاتوري، بل إعادة ترتيب لسلّم الأهمية الجمالية.
وفي لوحة «الموناليزا بعمر 12 عامًا» نلاحظ المحاكاة الساخرة للرمز الأعظم في تاريخ الفن الغربي، يضخّم بوتيرو ملامح الطفولة ويحوّل البراءة إلى ثقل جسدي غير متوقع. يتحدى بذلك سلطة الصورة الأصلية، وكأنه يقول: حتى الأيقونات يمكن أن تُعاد صياغتها بعيون مختلفة. هنا يصبح التضخيم نقدًا خفيًا لمفهوم «المثال الأعلى» الذي كرسه الفن الكلاسيكي.
أما في لوحة «العائلة» فيبدو المشهد العائلي متماسكًا بفعل التضخيم، إذ تبدو الأجساد ككتل متلاصقة تملأ اللوحة حتى حدودها القصوى. الجسد هنا هو ما يضمن بقاء العائلة في حالة تلاحم ضروري، وكأن الامتلاء استعارة عن الدفء. بهذا المعنى، يتحول التضخيم إلى بعد إنساني محض، لا إلى مجرد أسلوب فني.
التضخيم كذاكرة إنسانية وموقف سياسي
لقد حمل فرناندو بوتيرو فنه كنوع من الشهادة على العنف والذاكرة الجمعية. التضخيم الذي يطبع أسلوبه لا يقتصر على تصوير الأجساد في بعدها الكرنفالي أو الجمالي، بل يمتد ليصبح أداة لقول ما لا يُقال، وتوثيق ما يخشى العالم توثيقه.
حين نشر بوتيرو سلسلته الشهيرة عن «ضحايا سجن أبو غريب» 2005، قدّم فعلًا فنّيًا جريئًا ضد هيمنة الصور الرسمية. في لوحاته، تتضخم الأجساد المُهانة، حتى في أقسى حالات العري والعذاب، وكأنها تُطالب بالمكان داخل الوعي البصري العالمي. هنا يلتقي الفن بالسياسة في أرقى صوره، مثل المعرض فعلًا احتجاجيًا يُعيد للضحايا كرامتهم المهدورة. التضخيم في هذه اللوحات كان بمثابة تضخيمٍ للصرخة، وتكبيرٍ للمأساة، كي لا تُختزل في تقارير صحفية باردة.
في ميديلين الكولومبية محل ولادته ونشأته الأولى، حين فَجّر العنف أحد تماثيله «تمثال حمامة السلام» القابع في وسط الميدان المسمى باسمه، رفض بوتيرو أن يُزيله أو يُرمّم جراحه، بل أصر على إبقائه شاهدًا على القسوة، وأقام بجانبه نسخة جديدة من التمثال ذاته، كرمز للأمل. لقد جسّد بذلك موقفًا فلسفيًا عميقًا، يتمثل في كون الفن لم يكن في يوم من الأيام هروبًا من الواقع، إنما هو مقاومة لنسيان الألم والجراح. لهذا فالتمثال الممزق وقرينه الجديد خلقا ثنائية بصرية تُلخص جوهر بيان بوتيرو الفني، الخراب يمكن له أن يجاور الأمل ويغذّيه.
يُدرك بوتيرو أن وظيفة الفن تتجاوز اللذة الجمالية إلى وظيفة حفظ مشهد الضحية كذاكرة. وهنا يتقاطع مع قول والتر بنيامين: «إن كل وثيقة حضارية هي في الآن نفسه وثيقة بربرية»، إذ يفضح بوتيرو عبر تضخيمه جسد الضحية كيف أن التاريخ قد يُكتب بجثث الضحايا أيضًا، وليس ببطولات المنتصرين فقط. لقد بوتيرو جعل من لوحاته ومنحوتاته أرشيفًا بصريًا لويلات جسد الضحية، حيث لا ينجو العنف من التوثيق، ولا تُمحى الإنسانية من سردية المهيمن.
هكذا يتحول أسلوب بوتيرو من «جمالية التضخيم» إلى «سياسة التضخيم»: تكبير الجسد ليكون مرئيًا، تكبير جراح الضحية كي لا تُمحى، تكبير الكرامة الإنسانية كي تبقى في قلب الفن. وهو بذلك يرسم لنا صورة عن الفن باعتباره مقابلًا للمسؤولية الأخلاقية، لا مجرد متعة بصرية، وبلاغة كلاسيكية.
الحياة بين التواضع والكونية
ولد فرناندو بوتيرو في ميديلين عام 1932 في أسرة متواضعة، بعيدًا عن مراكز الفن العالمية. لكن مساره لم يكن حبيس الهامش، بل ارتقى بأسلوبه الخاص ليصبح لغة عالمية معروفة ومقترنه باسمه. هذا الانتقال من المحلي إلى الكوني يُظهر كيف يمكن لفنانٍ من الأطراف أن يفرض حضورًا في المركز، عبر ابتكار بصمة جمالية فريدة، لا عبر التقليد الأعمى. لهذا بقي في العمق فنانًا ينحاز للبسطاء، وهو ما انعكس في موضوعاته التي كثيرًا ما التقطت تفاصيل الحياة اليومية، الأسواق، العازفين الشعبيين، والناس المقهورين.
وبالإضافة إلى تميز وعبقرية أسلوب بوتيرو الفني تحضر إنسانيته الطاغية التي أبت أن تُفصل عن فنه. في أكثر من شهادة، كان يردد أن الفنان لا يملك ترف الانفصال عن آلام شعبه. لذا، سواء في رسمه للنساء الممتلئات والرجال السمينين، أو في معالجته لمجازر ومآسي سياسية، ظل الدافع الأساسي هو إبراز كرامة الإنسان. وإذا كان بول ريكور يقول: «الذاكرة مقاومة للنسيان»؛ فبوتيرو لم يكتف بتجسيد الذاكرة، بل حوّلها إلى ممارسة أخلاقية تُعيد الكرامة للضحايا.
ترك بوتيرو إرثًا يندر مثيله: أسلوبًا بصريًا يُعرف من النظرة الأولى، وموقفًا إنسانيًا ظل حاضرًا حتى وفاته في ١٥ سبتمبر ٢٠٢٣. مثلت أعماله مواقفًا بصرية في مواجهة العنف والسلطة والهيمنة. لذلك يمكن القول إن إرثه يقوم على مستويين دلاليين: «إبداعي بصري جمالي» منح الفن الحديث رؤية جديدة لجمالية «التضخيم» المضاد للتصغير والاختزال. و«أخلاقي إنساني» أثبت أن الفن صوت للضحايا وحارس للذاكرة، وليس مجرد تجريب شكلي.
بوتيرو بعد بوتيرو
رحيل فيرناندو بوتيرو ثبّت مكانته كأيقونة عالمية. فالفنانون والنقاد يستحضرونه باعتباره مبدعًا منح الجسد البشري قدرة على مقاومة التشييء والامّحاء. يقول ميشيل فوكو: «الجسد هو ساحة الصراع الأولى للسلطة»، لكن بوتيرو حوّل هذا الجسد من موضوع للسيطرة إلى مساحة لاسترداد الكرامة، فمن خلال هذا التعبير الفني الغرائبي جعل الجسد ملأ العين، والفراغ في اللوحة.
إن الإرث الذي تركه بوتيرو دعوة مفتوحة لرؤية الفن بوصفه مساحة للعدالة الرمزية، وحياة الفنان بوصفها تجسيدًا لمسؤولية الفن أمام الضحية، سواء كانت هذه الضحية في صورة سجين مُهان أم مصارع ثيران وظيفته القتل من أجل الامتاع.
نُنشرت في منصة «سارت» للفنون 2025/9/15
