في عُمر كل فنان أو مبدع لحظة أولى مهمة؛ إنها اللحظة التي تلقى فيها نظرة تقدير وإعجاب، أو كلمة تشجيع، أو تلقى صمتًا مشوبًا بالدهشة. قد تكون تلك اللحظة صادرة عن فراسة معلم، أو محبة صديق مقرّب، أو فرد من أفراد العائلة. هذا التشجيع من الدائرة القريبة من المبدع المبتدئ هو أول أشكال الدعم للمبدع والاعتراف بوجوده المُختلف، وبأن ما ينتجه يستحق أن يُنتبه إليه.
بعد تلك الشرارة الأولى التي تعطي المبدع شعورًا بالشَرعية (شرعية التجربة، وشرعية الاستمرار فيها) تتوسّع دائرة هذا الاعتراف. ومع الزمن تتدخَّل المؤسسات الحكومية والخاصة بالرعاية، لتكريس الاعتراف الأول، وتمنح المبدع أُفقًا عمليًّا ودافعًا للاستمرار. ويتّسع المجال لنيل جائزة، أو عقد اتفاقية نشر، أو رعاية معرض فني، وغير ذلك… لكنّ هذه الرعاية قد تتحوّل في بعض الأحيان إلى أدواتٍ لفرز الأصوات وتوجيهها؛ ممّا يفتح نقاشًا حيويًّا حول حدود الرعاية وأثرها، ومن ثَمَّ خطورتها على حرية التعبير.
ضرورة الرعاية على مستوى الحكومات
مع التطوّر الكبير الذي لحق بالدولة الحديثة، أصبح من الطبيعي أن تتولى الجهات الرسمية، وفي مقدمتها وزارات الثقافة، دورًا حكوميًّا من ناحية رعاية الفنون والآداب، ليس من باب العناية فقط، بل بوصفها جزءًا من السياسات العامة التي تهتم بإدارة النخبة المفكرة وتوجيه الذائقة العامة، وهذا مفهوم ومُعترف به ومُعلن أيضًا.
فكثيرًا ما نسمع بمصطلح “القوة الناعمة”، الذي من خلاله صار للثقافة والإبداع والفنون ملف إداري، توضع له خطط وبرامج، وتُرصد له ميزانيات ضخمة، بعضها موجَّه للجمهور، وبعضها الآخر مُخصَّص لفئات بعينها، مثل الشباب أو الفنانين الجدد أو الأدباء الناشئين. ولدى الدول الحديثة، يُعدُّ هذا الدعم نوعًا من أنواع الاستثمار. وعلى إثره ظهرت رؤى اقتصادية تتحدث عن الهندسة الثقافية، وتنادي بالاستثمار في اقتصاديات المعرفة.
تقدم وزارات الثقافة أشكالًا متنوّعة من الرعاية، منها الجوائز الأدبية والفنية، ودعم النشر والطباعة، ومِنَح السفر للمشاركة في الفعاليات الدولية، وإنشاء المراكز والمدن الثقافية، ودعم الفرق المسرحية، والإنتاج السينمائي.
وقد برزت في السنوات الأخيرة مبادرات محلية وعربية واعدة، مثل مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة بوزارة الثقافة السعودية، التي أطلقت برامج احتضان الكتاب والمترجمين، مثل: مبادرة “معتزلات الكتابة”، ومبادرة “ترجم”، ومبادرة “الشريك الأدبي”. وكذلك مبادرات المجلس الأعلى للثقافة في مصر، الذي يدير عددًا من المسابقات والملتقيات في شتى مجالات الثقافة.
لكن هذا الدور، على أهميته، لا يخلو من تحديات؛ إذ قد تتحول الرعاية أحيانًا إلى بيروقراطية مُثقَلة بالإجراءات واللوائح، أو إلى التصنيف النخبوي الذي لا يفسح المجال للأصوات الشابة والجديدة. كما أن بعض البرامج قد تقع في فخ التكرار، أو تعيد تكريس أسماء بعينها، ما يضعف قيمة التنويع في دعم المشهد الثقافي والفني.
رعاية الشركات الكبرى للمبدعين.. أرامكو السعودية مثالًا
من جهة أخرى، يأتي دور الشركات الكبرى في دعم المبدعين بمختلف مشاربهم، من فنانين تشكيليين، وكُتَّاب، ومغنّين شباب، وصانعي أفلام، وأهمية هذا النوع من الدعم أنه بعيدٌ تمامًا عن التَربُّح الخاص من وراء المبدع، كما أنه صادر عن نيَّات حسنة، مرتبطة بأهداف لها علاقة واضحة ومباشرة بالدعم المجتمعي، ورعاية الموهوبين، والحفاظ على الهوية الوطنية. ومثالٌ على ذلك، هدية شركة أرامكو السعودية للثقافة والإبداع “مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي – إثراء” الذي، ومنذ افتتاحه في الأول من ديسمبر 2016م، شكَّل ما يشبه المنارة للمبدعين السعوديين والعرب بكل أطيافهم، صغارًا وكبارًا، من هم في أول طريق الإبداع، ومن هم مُستحِقون للتكريم في منتهى مسيرتهم الإبداعية. وتتنوَّع أشكال الرعاية التي يقدمها المركز ما بين طباعة الإبداع، وإقامة المعارض الفنية، وحفلات الغناء، والدعم المعرفي من خلال البرامج الأكاديمية ومختبرات التفكير. ولعل كل من يقترب من هذا الصرح الشامخ أو يزوره من المبدعين أو الجمهور سيستحضر مفهوم الدعم والرعاية في أبهى حلة ممكنة.
دور المؤسسات الثقافية الربحية.. قطاع النشر مثالًا
إلى جانب ما تَقدم، هناك المؤسسات الثقافية الربحية الخاصة، التي تتعامل مع الإبداع بوصفه مُنتَجًا تعمل في تسويقه. ولذا، فإن مصلحتها مشتركة مع مصلحة المفكر والمبدع الأدبي والفني. فالكتاب مُنتَج يُطبع ويوزّع ومن ثَم يُباع في الأسواق. وأصبحت دور النشر واحدة من أكثر مؤسسات الرعاية الفكرية تأثيرًا. لكن هذه الرعاية تطوَّرت ونمت، خصوصًا في العالم الغربي، لتصبح أشبه بمُتَبَنٍّ طويل الأمد، يشمل اكتشاف الكاتب، وتحرير صوته الإبداعي، وصقل نصه الفـني، ثم الدفع به إلى عموم الجمهور بوصفه صوتًا مختلفًا يستحق الحضور والمتابعة.
في بعض النماذج الغربية، مثل داري “غاليمار” الفرنسية و”فابر إند فابر” البريطانية وغيرهما، نلاحظ أن الناشر يحضر في المشهد الأدبي شريكًا أدبيًّا، وليس مجرد موزّع كتب. فعلاقته بالكاتب لا تقوم على توزيع كتبه فحسب، بل على بناء مسيرته الإبداعية.
فالناشر يختار الكاتب ويستثمر فيه، ويدافع عن مشروعه الفني، ويروِّج له عبر سلسلة من الإصدارات والمشاريع الأدبية التي تصنع في مجملها هوية الكاتب. وهذا النوع من الرعاية يظهر جليًّا في تبني فكرة العقود الحَصْرية، وتخصيص المحررين أصحاب الخبرة العريضة، ومتابعة الإنتاج وعمل المراجعات على مدى سنوات وسنوات.
أمّا في العالم العربي، فإن العلاقة بين الناشر والكاتب لم تصل إلى الدرجة نفسها من الاحترافية، فالعقود ما زال يغلب عليها الطابع الموسمي أو التجاري البحت؛ تجعل الكاتب في معظم الأحيان يضطر إلى تحمّل جزءٍ من التكلفة أو حتى متابعة الطباعة بنفسه. ومع ذلك، ظهرت بعض الدُّور ذات الطابع المهني، في الخليج ومصر، وكذلك هناك بعض الدور اللبنانية التي تبنَّت أصواتًا إبداعية جديدة، وقدَّمتها في سياقات نقدية ضمن خطط مدروسة، لكنها سرعان ما تضمحلُّ أو تختفي، سواء أكان ذلك بسبب وضع سوق النشر، أم عدم العناية بعنصر الاستدامة.
تظلُّ رعاية دور النشر للكاتب، في أحسن أحوالها، تكريمًا لصوته الفردي، وتحفيزًا له على الاستمرار، خاصة حين تتعامل مع النص على أنه مشروعٌ طويل الأمد، لا مجرد منتج للبيع. لكنها في أسوأ حالاتها، تتحوّل إلى علاقة استغلالية تُفرِّغ النص من جرأته، وتفرض على الكاتب أن يكتب ما يُباع، لا ما يَودُّ الكاتب قوله، فيتحوَّل الداعم إلى عائق، وتتحول الرعاية إلى استغلال صريح.
ولعلَّ العلاقةَ بين المؤسسة الخاصة والمبدع، سواء أكان فنانًا تشكيليًّا أم كاتبًا، علاقةٌ غائمة، تمتدّ فيها يد الرعاية، لا من أجل الرعاية في حد ذاتها، بل من أجل الكسب المادي في معظم الأحيان. لكننا لو نحّينا وجود هذه المؤسسات الربحية جانبًا، ستختلّ العمليّة تمامًا. من هنا، فالعلاقة معقَّدة إلى حدٍّ كبير، وفيها صراع حقيقي، بين المبدع والمؤسسة الربحية من جهة، وبين المؤسسة الربحية والسوق من جهة أخرى. إنها علاقة متأرجحة بين دعم المبدع، وبين استغلاله بوصفه مُنتِجًا لسلعةٍ يمكن بيعها.
وللأفراد والمجموعات المستقلة دورهم
في السنوات الأخيرة، ظهرت مبادرات ثقافية صغيرة يقودها أفراد، أو مجموعات مستقلة لا تملك دعمًا ماليًّا ضخمًا، لكنها تمتلك شغفًا حقيقيًّا ووعيًا بأهمية تقديم محتوى أدبي أو فنيّ مختلف. هذه المبادرات لا تتبنّى مفهوم الرعاية المؤسسية، لكنها غالبًا ما تؤدّي دورًا محوريًّا في الكشف عن المواهب والزجّ بها في قلب المشهد الأدبي والفني.
نجد هذه المبادرات في أشكال عديدة: نوادي قراءة، وبودكاستات أدبية، ومنصّات رقمية لنشر القصص والمقالات، وصفحات على إنستغرام لعرض أعمالٍ فنية، ومجتمعات أندية للقراءة، وملتقيات صغيرة في المقاهي، أو ورش كتابة إبداعية يقودها أفراد.
نذكر من الأمثلة اللافتة في هذا المجال “أثر جاليري” في السعودية، التي تقدم محتوًى بصريًّا وأدبيًّا عن الفن والفكر. ومبادرة “مكتبة وهبان” على فيسبوك، التي تقدم لقاءات واجتماعات افتراضية لدعم المشهد الأدبي في مصر. وكذلك بعض المنصات الصوتية على يوتيوب، التي تبثُّ نصوصًا أدبية عربيةً ومترجَمةً بأصواتِ بعض المذيعين المميّزين، وأصبحت مع الوقت منصات مستقلة لتحفيز التفاعل الثقافي. وفي كل هذه الأشكال المستقلة، هناك منزلقُ ألّا تكون مستقلةً بالفعل. ففي مجال الكتابة الأدبية بالذات، برزت ظواهر مثل صفحات المعجبين ومجموعات القراءة على فيسبوك، التي قد تحتفي بكتب بسيطة تلائم ذائقة أعضائها أو يحرّكها الكاتب نفسه، كما يفعل كثير من المغنين.
وعلى بساطة هذه المبادرات، فإنها تتميز بالمرونة والسرعة والقدرة على التفاعل المباشر مع الجمهور. لكنها تعاني في المقابل من محدودية التمويل، ومشكلة الاستدامة، وغياب الإطار التنظيمي الذي يضمن استمراريّتها.
* نشرت في مجلة «القافلة» – سبتمبر / أكتوبر 2025
