يقول عبدالرزاق قرنح، الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 2021، في السطور الأخيرة من روايته “ذاكرة الرحيل” (ترجمة عبير عبدالواحد، دار أثر): «هذا هو الشرق، ومثل هذه الأمور تقع فيه». لكن: ما هو هذا الشرق الذي عبّر عنه قرنح؟ وما طبيعة «هذه الأمور» التي تقع فيه، على حد تعبيره؟
تتحدث الرواية عن الفتى «حسان»، الذي يعيش مع عائلته في إحدى مدن الساحل التنزاني. عائلة مضطربة: أبٌ محبط غارق في ملذاته أمام عيني أمّه العجوز، وزوجةٍ مغلوبة على أمرها، تحمل في قلبها فاجعة فقدان ابنها «سعيد» الذي مات في حريق شبّ في الدار. وفي قلب هذا الخراب العائلي يقف حسان—راوي الحكاية بضمير المتكلم—بوصفه متلقيًا لغضب الأب، الذي حمّله ذنب موت الابن الأكبر، وكأن المأساة تحتاج إلى كبش فداء. وعلى هامش هذه البنية، تظهر شخصيتان نسائيتان: إحداهما خاملة مريضة، والأخرى متمردة، تنزع إلى كسر معايير الطهر الاجتماعي، وتقترب—في ميولها—من صورة الأب ذاته.
تقع أحداث الرواية في سياق تاريخي مضطرب، إبان استقلال البلاد من الاستعمار، ودخولها تحت قبضة نظام اشتراكي يضيّق على الأفراد، ويخنقهم بقرارات تعسفية. تتحول البلاد—في هذا السياق—إلى ما يشبه السجن الكبير، حيث يصبح استخراج جواز سفر ضربًا من التعذّر، كما تُحجب عن البطل نتائج دراسته الثانوية، فيُحرم من فرصة الابتعاث، وتُغلق في وجهه إمكانات النجاة. وهذا البعد يشكّل الخطاب المركزي للعمل، الذي يندرج بوضوح ضمن أدب ما بعد الكولونيالية، وهو الحقل الذي يتقاطع مع مجمل مشروع قرنح الروائي، كما يؤكده بيان نوبل الذي أشاد بـ«استبصاره المتبصر بآثار الاستعمار، وتعاطفه مع مصير اللاجئ العالق بين الثقافات».
ومع ذلك، فإن رواية “ذاكرة الرحيل”—رغم بعدها الإنساني وموقفها الأخلاقي—لا تبدو، في تقديري، عملًا متميزًا على المستوى الفني. بل يمكن القول إنها رواية تقليدية من حيث أدواتها السردية؛ لا تقدّم إضافة نوعية إلى فن الرواية، ولا تمتلك خصوصية أسلوبية لافتة. فحكايتها مألوفة، ومعالجتها لا تتجاوز ما قدّمته أعمال عربية وأفريقية أخرى في تصوير بؤس ما بعد الاستعمار. وربما تكمن فرادتها في اختيارها مكانًا مهمشًا أدبيًا، وفي عفوية سردها، التي تميل إلى التعبير الذاتي البسيط، دون ادعاء ثقافي أو تنظير مباشر.
هذا الأسلوب «الناعم» في التعبير—القائم على الوصف لا الاتهام—هو، على الأرجح، ما يجعل العمل مقبولًا لدى «الضمير الغربي»؛ إذ يتيح له تأمل آثار الاستعمار دون أن يُواجه بإدانة صريحة. وكأن الرواية تمنحه فرصة للتعاطف، دون أن تُقلقه بمساءلة حادة. ومن هنا، يمكن فهم جاذبية هذا النمط من السرد في السياق العالمي.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن قرنح قدّم صورة أخرى من صور «الشرق»—بمعناه الواسع—إلى المتلقي الغربي، لكن من زاوية ملتبسة الهوية. فالبطل «حسان» ينتمي إلى سياق أفريقي مسلم، تعرّض لأشكال متعددة من الاستعمار: عربي وغربي. وإذا كانت الرواية تمرّ—بخجل—على آثار الاستعمار العربي للساحل التنزاني، فإن تركيزها الأساسي ينصبّ على الاستعمار الغربي، بوصفه القوة الأكثر حضورًا في تشكيل الخراب الذي ترصده.
