«طرائق مختلفة للنظر إلى الماء» رواية التهجير القسري

 

جمال هذه الرواية أنها—بشكل من الأشكال—عن الأب، وأنها عن التهجير؛ ذلك التهجير الذي كان، وسيظل، من أقبح تجليات العنف الاقتصادي الذي تمارسه الدولة. وسواء كان هذا التهجير لأسباب مبررة أم لا، فإن النتيجة واحدة: ويلاتٌ تلحق بالعائلات المُهجَّرة، إذ تُصاب—قسراً—بداء الحنين إلى الأمكنة.

 

الرواية التي أتحدث عنها هي “طرائق مختلفة للنظر إلى الماء” للكاتب خوليو ياماثاريس، الصادرة حديثًا (2022) بترجمة وتقديم د. طلعت شاهين، عن دار صفحة سبعة. وهي الرواية الثانية التي أقرأها له، بعد رائعته “المطر الأصفر” The Yellow Rain، غير أن هذه الرواية الجديدة كانت أكثر أثرًا في وجداني، لسببين رئيسين:

 

الأول: أن “المطر الأصفر” عبّرت عن الجانب الشعري للرحيل عن القرى، وهو الموضوع الأثير في مشروع الكاتب—كما يبدو—موضوعٌ مطروق شعريًا، تهيمن عليه الكآبة والظلمة، حيث تتفجر الدلالة عبر اللغة أكثر من الأحداث والشخوص، وكأن الكاتب عبّر هناك—بشكل استعاري—عن الحنين.

 

أما السبب الثاني، فهو أن “طرائق مختلفة للنظر إلى الماء” تنتقل بهذا الموضوع إلى منطقة أكثر قسوة: التهجير القسري، الناتج عن قرار حكومي ببناء خزان للمياه، أدى إلى غمر قرى كاملة، من بينها قرية «فيريراس»، حيث عاش أسلاف الأب لقرون. وهنا، تتوزع الأصوات السردية داخل العائلة—أبناءً وأحفادًا وأصهارًا—لتعبّر عن هول الصدمة، وعن أثرها العميق في شخصية الأب.

 

ليس في العمل «عبقرية تقنية» بالمعنى الشائع؛ إذ يستخدم الكاتب تقنية الأصوات المتعددة (الرواية البوليفونية)، وهي تقنية مستهلكة نسبيًا. غير أن العبقرية تكمن في وعي الكاتب باختيارها، وفي إدراكه أنها الأنسب للتعبير عن خطاب الرواية. فالأب—المحور المركزي—يغيب صوته، غيابًا مبررًا ومقصودًا، بعد أن قرر ألا يعود إلى قريته المطمورة تحت الماء. ويحوّل الكاتب هذا الغياب إلى موضوع خلافي داخل النص، تتنازعه أصوات العائلة، فينشأ عن ذلك نسيج سردي ثري، يقول ولا يقول، يختلف ويتفق، ويعبّر عن التهجير بوصفه جرحًا إنسانيًا مفتوحًا.

 

ففي مقابل من يرى «المصلحة العامة» في المشروع المائي، يركّز آخرون على البعد الإنساني الكارثي لهذا الفعل. وهذه الثنائية—بين النفع العام والخسارة الفردية—من أكثر الموضوعات خصوبة في التعبير الروائي، لأنها تمس منطقة مسكوتًا عنها، إذ إن صوت المُهجَّر غالبًا ما يكون مهمّشًا خارج الأدب، صوتًا مقموعًا لا يُسمع.

 

وإذا أردت توصيف الرواية إجمالًا، فيمكن القول إنها رواية «السهل الممتنع». فحدثها المركزي بسيط: الأب، الذي رفض العودة إلى قريته، يفاجئ الجميع برغبته في أن يُحرق بعد موته، وأن يُنثر رماده فوق مياه الخزان، ليشارك أسلافه المثوى ذاته. ورغم بساطة الحدث، فإنه يولّد توترًا عميقًا داخل العائلة، خاصة لدى الأم المتدينة، ويستدعي—في لحظة واحدة—كل ما يختزنه العمل من أسئلة التهجير.

 

تكمن قوة هذه اللحظة في أنها تأتي بعد مرور خمسين عامًا على غمر القرية، أي بعد تشكّل طبقات جديدة من التعقيد الإنساني. كما أن تعدد الأصوات—واختلافها من حيث العمر والقرابة—يخلق تفاوتًا غنيًا، يبتعد عن الغنائية الشعرية الخالصة، ويتجه نحو إبراز التضاد الإنساني بوصفه جوهر التجربة. ومن هنا، لا تقدّم الرواية إجابة جاهزة، بل تطرح سؤالًا مدوّيًا، يظل مفتوحًا.

 

إنها رواية عظيمة في موضوعها، رفيعة في نزعها الشعري اللطيف—الذي يتجلى حتى في عنوانها—وتكشف عن كاتب يمتلك حساسية عالية في النظر إلى التفاصيل. ومن أبرز تجليات هذه الحساسية، أن الكاتب جعل أحد أحفاد الأب يدرس الهندسة، وجعل نظرة الأب إليه مشوبة بالاستغراب والمقت: كيف يمكن لحفيدٍ، بعد كل ما فعله المهندسون بقريته، أن يختار هذا التخصص؟ تخصصٌ لا يرى فيه الأب المُهجَّر إلا مصدرًا للأذى!

المقالة السابقة
المقالة التالية

اضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”