أعتقد أن الشخص المهتم بكتابة المراجعات يمكنه أن يكتفي برواية متوسطة الجودة، أو برواية ذات ملامح فنية ممتازة يتمسك بها ليكتب ويستمر في عمله، لكن تظل منى عينه أن يقع على رواية عظيمة، توقعه في فخ المتعة التي ينشدها، والكل يعلم كم أصبح هذا الشعور شحيحًا. وما إن يقع الواحد على عمل روائي من هذا النوع حتى يشعر أن الأمل قد دب في أوصاله مرة أخرى، وهذا ما حصل لي مع رواية «الوصايا» لعادل عصمت، الصادرة سنة 2018 عن دار الكتب خان، والتي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية في دورة 2019.
أتساءل دائمًا: ماذا تبقى من مقولة جورج لوكاتش عن فن الرواية بأنها «ملحمة العصر الحديث»؟ فمع اتساع رقعة فن الرواية، وتعدد طرائق كتابتها، ينتابني -أحيانًا- شعور بأن هذا التعريف لم يعد يمثل فن الرواية أدق تمثيل. لكنني، أثناء قراءة «الوصايا»، عثرت على تصور ربما يرأب هذا الصدع الذي تشكل بسبب تسونامي الرواية الحديثة. فقد تصورت أن قول لوكاتش صالح تمامًا لوصف الرواية الكلاسيكية، الرواية التي تعيد كتابة التاريخ الإنساني في بقعة ما، وفي لحظة زمانية معينة، وهذا تحديدًا ما عبرت عنه رواية عادل عصمت، فهي رواية كلاسيكية بامتياز. ومهما يكن هناك من يستنقص أو يقلل من أهمية الأعمال الكلاسيكية، فإنها تظل موجودة، تُبعث فيها الحياة مثل طائر الفينيق.
وقد يعترض أحد على فكرة وجود الرواية الكلاسيكية من الأساس، خاصة مع وجود كم هائل من أشباهها الفذة، والتي كتبت في لحظة تاريخية تناسبها، وهذا سؤال وجيه وله ما يبرره، ربما بسبب أن الملمح الروائي الفني أصبح يعبر بشكل أعمق عن اللحظة الآنية. وهنا أود أن أنبه إلى أن رواية «الوصايا» لم تستسلم تمامًا للنسق الكلاسيكي، بل كانت كلاسيكية فقط في بنيتها الحكائية، بمعنى أن لديها حكاية مركزية يمكن سردها من بدايتها إلى نهايتها، ولو فعل عادل عصمت هذا الشيء لسقطت القيمة الفنية لعمله الفذ، ولأصبحت روايته مجرد «حدوتة». لكنه كان على درجة عالية من الانتباه والوعي المعرفي بفن الرواية، لذلك لم يسلم العمل للحكاية، بل جعل الحكاية رهينة لدى السرد الفني، فكان مخلصًا لوعيه السردي ولحكايته معًا. ومعلوم أن هذا الفعل في غاية الدقة والصعوبة، مثل أن يفعل الشخص شيئًا ممتعًا وهو يشعر بآلام شديدة. ولا شك أن الأمرين وصلا إلى متلقي هذه الرواية، فعلى الصعيد الشخصي شعرت، أثناء قراءتها، أنني أسبح بمتعة في وسط الألم.
وأعترف أنه لو قيل لي سلفًا إن هذه الرواية تتكلم عن الريف المصري، وإنها تتمحور حول الأرض، وإنها تتبجح بعشر وصايا يقولها الجد للحفيد، لما أقدمت على قراءتها. كنت سأقول لنفسي: ماذا يمكن أن يقدم لي عادل عصمت في هذا الشأن أكثر مما قيل روائيًا وقصصيًا وبصريًا عبر سينما ودراما الريف المصري؟ لكنني أحمد الله على جهلي المسبق بماهية العمل، فقد كنت على بعد معلومة سطحية من التعرف إلى عظمة الشيخ عبد الرحمن، وجمال روح الست كوثر، وجنون الأم خديجة، وتخلي صالح، وغضب نعيم، وتمسك فاطمة بالأمل، ونفحات السارد ابن عبد الله وتوهماته، وقبل ذلك كله تاريخ علي سليم، الحاضر كشبح، والذي بث الروح الأسطورية القيمة في ثنايا العمل.
هذا العمل الفذ، الذي من خلاله تيقنت بأن الكاتب الحقيقي لا تعوزه فنيات الرواية بقدر ما يعوزه الإخلاص في قول ما يعرفه حق المعرفة. فرغم أن البيوت هي البيوت التي نعرفها عن الريف المصري، والناس هم الناس هناك، بجلابيبهم، ولغتهم، وسحناتهم السمراء التي عملت فيها الشمس عملها، إلا أن في حكاية عادل عصمت شيئًا آخر، هو ما صنع الأهمية الروائية للعمل. هذا الشيء هو التاريخ الشخصي، لكنه، بفنية عالية، خلصه من هذا الملمح، وجعل منه تاريخًا محتملًا، موهومًا بالتخييل. ولعل هذا ما جعلني أستحضر أثناء القراءة تاريخ عائلتي، وأسأل نفسي: أليس هذا ما يقصده النقاد عندما يتحدثون عن أدبية الأدب؟
