الفنان أكل يدي اليمنى

كأنني نمت سنة كاملة؛ استرخيتُ لأكثر من ساعة وأنا أفكر فيه (الحلم).

في حمام إحدى المطارات، جرى حديث قصير ونحن واقفان عند المغسلة. كنت سعيدًا جدًا أنني التقيته، بعد نظراتي المتكررة، وابتسامته التي تقول: تفضل، يمكن أن يدور حديث قصير بيننا، أنا لا أمانع.

قلت له: (أنتوني هوبكنز؟) فهزّ رأسه إيجابًا، أغلق سحاب بنطاله، ومشى باتجاه المغاسل، فتبعته.

في لقطات متداخلة، نتحول إلى حمام آخر؛ حمام المدرسة الابتدائية التي درست فيها قبل أكثر من عشرين سنة، الحمام المتهالك ذو السيراميك البيج. نقف عند المغاسل، لا توجد مرآة لأعرف، هل كان يراني صغيرًا أم بعمري أثناء الحلم؟

أما هو فكان يغسل وجهه وينظر، وكأن مرآةً معلقة أمامه.

قال لي: لا تحتاج إلى مرآة لترى نفسك، الفنان الحقيقي يعرف وجهه جيدًا.

وقف أمامي وابتسم ابتسامته في فيلم (The Silence of the Lambs)، تلك الابتسامة الشريرة. عرف أنني خفت منه، فمدّ يده ليعدل ياقة ثوبي. علمت أنه يريد أن يخفف من توتري. كلمني عن الفن، وقال: هل تعرف؟ أنا لا أحب السينما، أحب الفن. وأضاف: هل تعلم أن أعظم فنان في العالم يعيش الآن؟ سألته: هل هو أنت؟ قال: أعظم فنان في العالم لا بد أن يكون حيًا.

قلت: الفن شيء حي، فابتسم مرة أخرى.

أخذ قبعته المعلقة على مسمار مدقوق في الجدار قرب باب الخروج، ووضعها على رأسه، ثم عاد ومد يده إليّ، فتركتُها له.

خرج من الحمام، فخرجت خلفه، ثم رأيته يجلس إلى طاولة طعام معدنية، يأكل بيده اليمنى!

 

 

* من «يوتيرن» – دار أثر 2013

المقالة السابقة
المقالة التالية

اضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”