لطالما ورد مصطلح «الضغوط اللحنية» في أحاديث أصدقائي الموسيقيين، وحين ضاق بي جهلي بتلك التفاصيل، طلبت منهم شرح المقصود بهذا المصطلح. وبعد وقتٍ ليس بالقصير، اهتديت—بفضلهم—إلى فهمٍ عام للفكرة. ولأن شرحها على طريقتهم يتطلب تعلّم العزف على آلة العود، حاولتُ تقريبها من زاوية السماع: بعض الألحان، حين تستمع إليها، تشعر بأن الإيقاع مضغوط إلى أقصى حد ممكن. وهذا الفعل تحكمه—في الغالب—جوانب فنية، وأخرى لغوية تتعلق بكلمات الأغنية.
ومن أمثلة ذلك: أغنية محمد عبدالوهاب «سهرت منه الليالي»، وأغنية أم كلثوم «ح أقابله بكرة»، وأغنية طلال مداح «قولوا للغالي». وفي المقابل، هناك أغانٍ أقل خضوعًا لهذا الضغط، مثل «بفكر في اللي ناسيني» لعبدالوهاب، و«الآهات» لأم كلثوم، و«أنا راجع أشوفك» لطلال مداح. ويمكن تلخيص الفكرة—كما أفهمها—في أن الأغاني ذات «الضغوط اللحنية» لا تمنح المؤدي مساحة واسعة للارتجال؛ فمسارها اللحني محكوم، لا يسمح بالخروج عنه دون الإخلال بجماليتها.
وبينما كان أصدقائي يشرحون هذه الفكرة، خطر لي أن هذا «الضغط» موجود أيضًا في السرد. فبعض التجارب السردية تضع المتلقي داخل مسار جبري مشابه. ومن الكتّاب الذين ألاحظ لديهم هذا الملمح، الروائي والقاص أحمد عبداللطيف. وتجربته—في تقديري—مربكة، وتحتاج إلى قراءة جادة تتجاوز الأطر السردية الجاهزة. وربما يشكّل صدور روايته “عصور دانيال في مدينة الخيوط” (دار العين، 2022) فرصة مناسبة لقراءتها من منظور مختلف. فكما يرتبط المنظور السردي باختيار الصيغة، فإن تجربة عبداللطيف—بصيغتها الخاصة—تتطلب منظورًا مضادًا ومغايرًا.
أعتقد أن هذه الرواية محمّلة بفكرة «الضغوط السردية»، وربما تكون الأنسب لتطبيق هذا التصور، رغم ما ينطوي عليه من مغامرة نقدية. فالطبيعي أن تتوزع الأحداث في أي رواية بين رئيسة وثانوية، وهو ما نجده هنا أيضًا، غير أن اللافت أن الأحداث الثانوية—بدل أن توسّع أفق السرد—تنغلق مرارًا، وتُعاد إلى الحدث المركزي. كلما انفتح السرد، أو كاد، يعيده الكاتب إلى المسار ذاته، في نوع من التكرار الجمالي المقصود. وهذا الإصرار لا يبدو عجزًا، بل فعلًا واعيًا، يحوّل العمل إلى مقترح جمالي غير تقليدي.
ومن هنا يمكن التساؤل: أليس هذا الشكل السردي خاضعًا لمنطق مشابه لـ«الضغوط اللحنية»؟ ولكن بأدوات السرد لا الموسيقى؟ قد لا يكون هذا التشبيه بحاجة إلى تبرير كامل، وربما هناك أبعاد لم أنتبه إليها، غير أنني أجد فيه بعدًا تجريبيًا يستحق التأمل.
وعلى مستوى الشخصيات، يتجلى هذا الضغط بوضوح؛ فالكاتب لا يسلّمنا إلى التداعي النفسي (المنولوج)، بل يقترح بديلًا يتمثل في «دانيال» المتخيَّل، الذي يتحدث عنه دانيال الحقيقي، وكأنه تعويض عن الانفتاح السردي. وهذه التقنية تُنتج نوعًا من «الضغط الداخلي»، حيث تحضر الذات عبر مرآة متحركة، لكنها محدودة بإطارها. فنحن داخل عالم مليء بالحواجز، يمنعنا من تخيّل حيوات متوازية حرة. وينطبق الأمر ذاته على بقية الشخصيات، التي تبدو—أحيانًا—شبحية، أو ذات طابع كافكاوي، محكومة بأدوار محدودة داخل بنية السرد.
وعلى مستوى الزمن، نلاحظ تكرارًا لافتًا يوحي بعجز السارد عن قياسه. ويمكن قراءة هذا من زاويتين: الأولى واقعية، تتصل بسؤال معرفي عميق حول إدراكنا للزمن—وهو سؤال يتقاطع مع فيزياء الكون—والثانية تخييلية، حيث يقوم الكاتب «بتسييج» الزمن داخل حدود معينة، لا يسمح للقارئ بتجاوزها، في محاولة لتوجيهه نحو نقطة غامضة داخل النص.
أما المكان، فلا يخرج عن هذا النسق؛ إذ تتسم الأمكنة بالمحدودية والالتفاف، كما يظهر في مبنى الأرشيف، والشارع الذي تدور فيه الأحداث، والتشابه المرآتي بين فضاء دانيال الواقعي والمتخيَّل. وهذه الأمكنة جميعها تخضع للفعل «الضاغط» ذاته، الذي يعززه التكرار—ذلك العنصر الجمالي الأثير لدى عبداللطيف، والذي يتجلى أيضًا في مفردات مثل المطر، والظلام، والأرشيف.
في النهاية، يمكن القول إن رواية “عصور دانيال في مدينة الخيوط” عمل غني بإمكانات القراءة، يقع في منطقة إشكالية داخل السرد الحديث. وما قدمته هنا ليس سوى زاوية واحدة، قد يشوبها القصور والمغامرة، غير أنني آمل أن أكون قد وفّقت في عرضها.
