يوم Original

 

بين حينٍ وآخر يطلّ يومٌ واعٍ، ليس أنا بل اليوم نفسه، يبدو كأنه يوم شخص ميت، يعرف كل شيء، يضع عالمنا بموازاة العالم الآخر ويبتسم برضا. صباح هذا اليوم وقور، وقور لدرجة أن من يمر بجانبه يلقي عليه التحية بأدب جم، حتى الأشرار الذين لا يفكرون إلا في الأذية، والأطفال الذين يعشقون رشق النوافذ الزجاجية بالحجارة، وخدش طلاء السيارات الجديدة برؤوس المسامير، ما أن يمرّوا بجانبه حتى يهدأون ويصيبهم ذلك النوع من البطء غير الإرادي، يلقون عليه تحيتهم السريعة والماكرة، ثم يواصلون ركضهم. مثل هذا الصباح، رغم أنه لي، وتابع بشكل من الأشكال ليومي الذي أملكه وأنظر إليه باستغراب، أمرّ أنا بجانبه مسرعًا كما يمر المدانون من أمام مبنى المحكمة، أو المتأخرون عن دفع الضرائب من أمام وزارة المالية. أستطيع أن أنظر في عينيه الكبيرتين وأقول بأنه صباحي الذي لا أدّعيه.

 

أما ظهيرة ذلك اليوم فإنها ظهيرة فتية، قوية، ولديها Six Packs في أسفل بطنها، يحسب لها الصباح الوقور ألف حساب، ويصافحها مودّعًا كما لو أنها موظف الـHR الذي يتجاوز عن الأمور الصغيرة لكنه لا يتهاون في المصالح الأساسية، التي ساهم هو في وضعها، ووجوده مرتبط بمدى قدرته على تحويلها إلى واقع يكتبه في منجزه المهني، ويقدّمه إلى من يدفعون له بسخاء آخر العام. إنها ظهيرة شابة، مشدودة على خصر اليوم كما ينبغي لحزام جلدي أن يفعل. حين أتأملها أبتسم وأردد: من أنتِ؟ من أنتِ؟ من أنتِ أيتها الظهيرة؟

 

إلى أن يدخل المساء ذلك اليوم؛ المساء الذي لا يستسلم إلى التثاؤب ولا إلى الخدر الخفيف، فهو مساء شخص نام في الليلة السابقة نومًا عميقًا، وشرب كوب الحليب قبل الخلود إلى النوم بساعتين. مساء قابل للقاء صديق قديم، أو احتساء قهوة وقراءة ما لا يقل عن 100 صفحة من رواية عادية، فقيرة الأحداث لكن شخصياتها واقعية وتشبه العالم خلف زجاج المقهى البارد. إنه يوم Original، كل شيء يؤكد ذلك، حتى رقم الـQR Code على الـTag، ودقة الخياطة، وكرتون التغليف، والحقيبة البلاستيكية التي سيخرج بها من بوابة العالم الأوتوماتيكية. ورغم ذلك لا يمكن لي أبدًا أن أصدق مثل هذا اليوم الواعي. نعم أتفهمه، وأتحمله مثلما أتحمل قريبًا من الدرجة الأولى، لا أفتح له قلبي، فقط أشعره أنني بخير، وأدعوه للبقاء ليومٍ آخر في ضيافتي، وأنا أعرف أنه لن يفعل!

المقالة السابقة
المقالة التالية

اضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”