الزمن النفسي البطل في رواية حجرة

 

كنتُ أعتقد أن روايات تيار الوعي (تداعي الذاكرة) ولّت إلى غير رجعة، لكن ها هي أمل الفاران تعود عدة خطوات إلى الوراء بروايتها الصادرة حديثًا «حُجرة» —دار أثر، 2021— لتثبت أن لديها ما يمكن إضافته، على سبيل تدارك شيء نُسي، أو لم يُنتبه له في السرد المحلي.

 

وإذا ما أخذنا المنتج المحلي —منتج نهاية السبعينيات تحديدًا— بعين الاعتبار، أعتقد أن «حُجرة» عمل ثقيل ومعتبر ضمن هذا الحقل (حقل الرواية التيارية). وبعيدًا عن سؤال: هل هذا الشكل السردي مقبول الآن؟ أو له ما يبرره واقعيًا؟ فإنه خيار الكاتبة، وهو خيار يشبه المذهب السردي الذي انحازت إليه، حيث نفي وجود أي واقع خارجي، وعدم السماح للمتلقي بأن يرى العالم إلا من خلال تصورات الشخصية. وكأن أمل، بهذا الخيار، تنغلق على نفسها وتجربتها، وتختار لنفسها أكثر المذاهب السردية نرجسية وانغلاقًا. وبحكم تجاربها السابقة، فإن هذا الخيار —الآن تحديدًا— يعود إما لأسباب شخصية بحتة، أو لأسباب عامة، وهذا ما لا يمكن التكهن به.

 

اعتدنا في الرواية التيارية أن نستمع إلى أصوات الشخصيات عبر سيل الوعي غير المترابط، لكن الجديد في هذا العمل أن سيل الوعي يأتي عبر صوت الراوي العليم، الذي يختطف أصوات الشخصيات. وفي هذا الفعل ما يشبه الرغبة الملحّة لدى الكاتبة في رد الاعتبار للشخصية الرئيسة (مريم)، التي لا نسمع صوتها إلا لممًا. وهي شخصية تعاني من جنون الارتياب، ولديها قرين —بحسب الحكاية— يظهر في أحلك الظروف، وأثناء تغيّر الأحداث الروتينية التي تحاول (مريم) عدم تبديلها. لكن موت والدتها، منذ بداية الرواية، يفرض هذا التغيّر، حيث يدخل إلى عالمها شخصان جديدان: ابنة (موضي)، أخت (مريم) المتوفاة، وابنها. والكاتبة لا تعطيهما أسماء، بل تجعلهما يسبحان في فضاء (مريم) وحجرتها، ربما لتزيد من مستوى اغترابها وعدم ثقتها بعالمها الصغير، المؤثث بشكل كابوسي، لا يشاركها فيه سوى هلاوسها وقرين يظهر ويختفي.

 

ولعل أبرز ما لفتني في الرواية هو انتباهات الكاتبة، خاصة فيما يتعلق بالأدوات الفنية التيارية، ومن أبرز هذه الانتباهات (الزمن)؛ فهو خاضع في العمل لشروط السرد التياري، إذ يبرز كزمن نفسي مضغوط، يكاد القارئ يختنق بسبب بطء حركته. فرغم قصر العمل (88 صفحة)، إلا أن الجهد المبذول في قراءته جهد مضاعف، مردّه إلى طبيعة تحرك الزمن النفسي، بالإضافة إلى ضيق المكان وكابوسيته. وهذا الانتباه يُحسب للكاتبة؛ فهي، طوال الرواية، قابضة على هذا المكوّن الرئيس في عملها. كما أنها، في توزيع الفصول وتسميتها، تعتمد المكوّن الزمني ذاته، فتعنون الفصول بزمن مبني على معطيات الزمن النفسي للحدث الرئيس، وهو موت والدتها (حصة)، الذي سمح للآخرين بالدخول إلى حياتها، من الفصل الأول «بعد يوم أو أقل»، «بعد ثلاثة أيام»، «بعد شهر وعشرين يومًا»، وحتى الفصل الأخير «بعد كل شيء».

 

الانتباه الآخر يكمن في التشكيل الكتابي للنص السردي، واستخدامها للنقاط بدلًا من الفواصل. وهذا الفعل —رغم عدم قناعتي به— بدا لي نوعًا من التجريب والمغامرة؛ فالنقاط المتتالية كعلامة ترقيم غير مفهومة، وليس لها دلالة واضحة ومعتبرة. ومع ذلك، ساعدت في سيلان الجمل التي تجري بشكل متلاحق يشبه الهذيان، وهذا —وإن كان مضجرًا على مستوى القراءة— إلا أن له ما يبرره فنيًا داخل النص المتداعي.

 

أما الانتباه الأكبر فكان من نصيب لغة الرواية التيارية، التي تميّز أعمال تيار الوعي، وتعد ملعبها الأهم. ويبدو أن الفاران بذلت مجهودًا مضنيًا في سبيل ذلك؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، تلتزم الكاتبة بالاستخدام المتتالي للأفعال المضارعة، وقد أحصيتها في صفحة واحدة فوجدتها تجاوزت الأربعين فعلًا مضارعًا. والقارئ الذي لا يعرف روايات تيار الوعي قد يظن أن هناك خللًا في لغة النص، بينما الأمر متعمد ومقصود، تبرره طبيعة هذا المذهب السردي.

 

بقي أن أعرّج على الحكاية ولا مركزيتها؛ فهي حكاية لا أطراف قوية تشدها نحو مركز ما، فما أن يبدأ حدث حتى نلاحظه يتلاشى مرة أخرى، ولا يبقى لدينا سوى تمسكنا باللغة، وبالزمن النفسي، وبالمكان الكابوسي. وما يدعم لا مركزية الحكاية تداخل الأحلام بها، وكل هذا —فيما أتصور— سببه اختطاف الراوي العليم لصوت الشخصية الرئيسة (مريم). فهي مصابة، كما سلف، بالهلاوس القهرية، ولعل مهمة الكاتبة كانت محصورة في قدرتها على التمسك بهذا الصوت، ومحاولة التماهي معه، من أجل الوصول إلى أرقها الروائي، وهو —حسبما أعتقد— التعبير عن ويلات هذه الـ(مريم). وإن كان هذا صحيحًا، فإنني أرى أن الكاتبة نجحت في إيصال صوتها، وما اختيار هذا المذهب السردي إلا دليل على معرفة أمل الفاران بحدود هذا الفن، طاقته وإمكاناته التعبيرية، وقدرته على الوصول.

المقالة السابقة
المقالة التالية

اضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”