بين الرواية والخرافة: قراءة في «أبناء حورة»

 

داهمني سؤال محيّر قبل قراءة رواية «أبناء حورة» الصادرة عام 2021 عن دار الكرمة: ما الذي يجذب عبدالرحيم كمال، المؤلف وكاتب السيناريو المعروف، والذي حقق حضورًا لافتًا في هذه المهنة الجماهيرية—وأقول ذلك لأنني ممن يقدّر إضافته النوعية—إلى عالم الرواية الأقل جماهيرية؟

 

والحقيقة أنني اهتديت إلى الإجابة في حُمّى القراءة؛ فكاتب بقدرة عبدالرحيم كمال الإبداعية أكبر من أن يحدّه جنس كتابي واحد. وعمله «أبناء حورة» ينمّ عن ثراء لافت، على مستوى المعرفة والرؤية والخيال الجامح.

 

ورغم أنني لست ممن يسعى إلى وضع حدود للفنون، وبخاصة فن الرواية—ذلك الفن المفتوح دائمًا، والذي لم يُغلق بابه كما يقول ميخائيل باختين—فإن ثمة أسئلة جوهرية تفرض نفسها في هذا السياق. فالرواية، بوصفها فنًا حديثًا، تقبل التجريب واقتراح مناطق جديدة، لكن ماذا عن استثمار مكوّنات سردية قديمة؟ هل يمكن تحقيق ذلك دون طرح سؤال «الجديد» الذي يدفع بهذا الفن إلى الأمام؟ وهل يقبل فن الرواية هذا المقترح، رغم التصاقه بمفاهيم الخرافة القديمة؟ ثم هل يقبل قارئ الرواية الحديثة—بكل منجزها المتجاوز—نكوصًا من هذا النوع، من أجل خلق خرافة تصلح للزمن الآتي؟

 

أرى أن هذه الأسئلة مشروعة. وإن كانت تضيق على حرية الإبداع، فإنها ضرورية لفهم ماهية الرواية. ومع محاولتي الإجابة عنها، لا أنفي إبداعية العمل، ولا أدعو القارئ إلى الانصراف عنه؛ بل على العكس، فالعمل في غاية النضج، ولا ينقصه عنصر من عناصر التشويق والدهشة. غير أنني معنيّ هنا بسؤال الرواية ذاته: ما الذي في «أبناء حورة» من الرواية؟ وما الذي يقع خارجها؟

 

وقد يذهب بعضهم—وهو أمر متوقع—إلى تصنيف العمل ضمن الرواية الفانتازية، لكنني أرى في ذلك وهمًا نقديًا. فالفانتازيا ليست، بأي حال، مقابلاً موضوعيًا للخرافة، وإلا وقعنا في تعسّف المفاهيم، وقلنا إن ألف ليلة وليلة عمل روائي مبكر، وهو ما يناقض طبيعتها. بل سيقودنا ذلك إلى إدخال السرد الأسطوري والملحمي القديم في حقل الرواية، وهو طرح يعيدنا إلى إشكالات تجاوزتها الدراسات النقدية الحديثة.

 

وإذا كنا لا نستطيع رسم حدود دقيقة لفن الرواية، فإننا—على الأقل—نستطيع تمييز ما يقع خارجها. وهذا «الخارج» لا ينتقص من جمال العمل، بل قد يضاعفه، بوصفه مقترحًا فنيًا طموحًا. ولطالما سعى الكتّاب إلى ارتياد هذه المناطق الهجينة، التي تتراوح بين الفنون، وهذا ما أرى أن عبدالرحيم كمال قد حققه في «أبناء حورة».

 

ولا يعني ذلك أن كل ما في العمل يقع خارج الرواية، لكنني أرى أن حكايته أقرب إلى فن الخرافة في الثقافة العربية، مع حضور واضح لبعض آليات الرواية. ولتوضيح ذلك، يمكن الإشارة إلى مثالين.

 

أولًا، الاقتراب من الفانتازيا في حكاية الشاب طاهر، الذي يأمره أبوه بذبح الطيور خوفًا من الوباء. وبينما تفرّ الطيور، تستسلم له إوزة بيضاء فائقة الجمال، وتهمس له قبل ذبحها: «أحبك يا طاهر». هنا يبدو الاشتغال فانتازيًا، لكن العمل سرعان ما ينزاح إلى الخرافي؛ إذ تتحول الإوزة إلى فتاة تُدعى نورا، وتحلّق به إلى جزيرة أقرب إلى الفردوس، حيث يتناسلان، لينجبا «عشق»، والد «حورة»، الكائن الخرافي ذو جسد الطائر ورأس المرأة.

 

هذا التحول يكشف أن العمل لا يكتفي بالفانتازيا بوصفها تقنية روائية، بل ينخرط في منطق الخرافة، حيث تتوالد الحكايات على نحو أقرب إلى السرد الشعبي. ففي الفانتازيا—كما في «المسخ» لـ فرانز كافكا—يُبنى الحدث الغريب لخدمة خطاب روائي، أما هنا فإن المتواليات الخرافية تتكاثر، حتى تدفع العمل خارج حدود الرواية إلى فضاء الحكاية الخرافية.

 

ثانيًا، حضور «دولة اللاجئين» بوصفها مكوّنًا روائيًا واضحًا، إذ يحمل خطابها طابعًا سرديًا حديثًا، لكن هذا الخطاب يُزجّ به في صراع مع عوالم خرافية، حيث يتداخل الواقعي بالأسطوري، ويتناسل القادة مع عوالم العمالقة أبناء «حورة». ورغم انتصار هذه الدولة، فإن انتصارها يتحقق عبر آليات خرافية، لا منطقية أو حتى غرائبية، مما يجعل الغلبة، في النهاية، للخرافة لا للخطاب الروائي.

 

وعليه، فإن العمل يستثمر أدوات الرواية، لكنه لا يقدّم نفسه بوصفه مشروعًا روائيًا خالصًا، بل يعيد إنتاج حكاية خرافية عبر متواليات سردية تمتد على أبواب العمل الثلاثة: «حورة»، و«نور وحور»، و«الراصدة»، في مقترح فني أقرب إلى القص الخرافي منه إلى الرواية.

 

فالرواية، في جوهرها، فنّ خطاب، وليست مجرد تتابع حكائي مدهش. أما القص الخرافي، فينصرف أساسًا إلى الإدهاش وتوليد الحكايات. وللإنصاف، فإن «أبناء حورة»—بوصفها عملًا خرافيًا—تبلغ مستوىً رفيعًا من الإبداع؛ إذ أعادت إليّ شخصيًا وهجًا جماليًا افتقدته مع كثرة قراءة الروايات، وهو وهج يرتبط بقدرة النص على توليد الحكايات، وتكثيرها، واللعب بالشخصيات، وتحريكها عبر زمن ومكان خرافيين مفتوحين.

المقالة السابقة
المقالة التالية

اضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”