ما بعد الحكاية: نحو شكل سردي جديد

 

التجريب لا يوجد خارج الشكل السردي، وبقدر وعي الكاتب بهذه الحقيقة يرتقي نصّه تجريبيًا. وقد تحقق في قصة «شهوة الملاك» لـ ياسر عبداللطيف مستوى رفيع من هذا التجريب. فالتجريب لدى ياسر في هذه القصة—المنشورة ضمن مجموعته «موسم الأوقات العالية» (الكتب خان، 2021)—ليس تهويمًا للحكاية كما اعتدنا أن نرى في بعض نماذج القصة العربية التجريبية، بل هو الشكل الأمثل الممكن لها. بمعنى أن التجريب هنا ضرورة فرضتها الحكاية نفسها؛ ومن هذه النقطة يتجلى المفهوم الحقيقي للتجريب: من الشكل إلى المضمون، لا العكس.

 

وأظن أن قارئ «شهوة الملاك» سيجد نفسه مدفوعًا إلى التساؤل عن ماهية فن القصة القصيرة، وهو سؤال مشروع. فكيف لهذا الشكل الفني أن يحتمل هذا الكم من الآراء الفكرية والفنية حول التاريخ، والسينما، والحياة؟ نحن هنا لا نتحدث عن آراء مضمَّنة في أصوات الشخصيات، بل عن حضور مباشر لصوت الكاتب نفسه. آراءٌ لو حُذفت من النص لأفرغته من معناه، ومع ذلك لا يفقد النص تماسكه الحكائي، بل يظل قادرًا على الإمتاع.

 

هذا النص القصصي يشبه ما يدور في ذهن الكاتب؛ حيث تختلط الحكايات الصغيرة بالرؤى الكبرى حول الفن، والأمكنة، والناس. وقد قدّمها ياسر عبداللطيف عبر آلية المونتاج السردي، وهي آلية مبرّرة، بل ضرورية، ما دام الاشتغال يتم على شخصيات سينمائية. فكيف يمكن الجمع بين التأمل في أبطال السينما ومصائر شخصياتهم—التي ترسّخت في الوعي الجمعي—وبين حكايات الناس، الواقعية منها والمتخيّلة، دون اللجوء إلى هذه التقنية؟ والمتابع لأبرز الكتابات المعاصرة يلحظ أن تقنية المونتاج غدت منقذة للحظة السردية، بما تحمله من طابع حداثي وقدرة على احتضان الهاجس التجريبي.

 

إن كثيرًا من النصوص السردية اكتسبت قيمتها من الشكل الذي قُدّمت به، وأكاد أجزم أن «شهوة الملاك» لا يمكن أن تُروى إلا عبر هذا المقترح السردي. فلو حُكيت شفاهة، لما بلغت عُشر تأثيرها مكتوبة. بل إن تأثيرها القصصي نابع أساسًا من شكلها.

 

ويتجلى ذلك، أولًا، في إحكام البناء من خلال ربط البداية بالنهاية، حيث يتعزز حضور العنوان بوصفه عنصرًا دلاليًا فاعلًا. كما يظهر في تنويعات الانتقال السردي، المصحوبة بانتقالات مكانية سلسة وعميقة في آن. إن الشكل السردي هنا هو البطل الحقيقي، ولا ينفي ذلك حضور صوت الراوي الموازي لصوت الكاتب، بل يؤكده ويبرزه. ولعل هذه الجرأة تتجلى بوضوح في حلم الراوي بـ حمدي الوزير، حيث يواجهه بآرائه، وكأن الكاتب يقدّم دفاعًا استباقيًا عن رؤيته. ومن أجمل ما في هذا النص أنه يحمل دفاعه عن مقترحه الفني في داخله، قبل أن يخرج إلى القارئ؛ وهو ما يدل على وعي عميق بالصنعة الأدبية.

 

هذه القصة—في تقديري—درس مهم في الكتابة القصصية المعاصرة؛ فهي لا تفرّط في متعة الحكي، ولا تتجاهل آليات السرد، ولا ترتهن لهوس تجريبي أجوف، بل تعيد «ابنة الصحافة المدللة» إلى موضعها الطبيعي، ولكن بصيغة تنتمي إلى اللحظة الراهنة. ومن الواضح أن هذا لم يكن وليد المصادفة، بل نتيجة جهد واعٍ ودقيق، يتجلى في بنية النص وتشييده. فمادة القصة قد تكون متاحة للجميع، لكن الصعب—حتى على المبدع—هو هذا الوعي العميق بفن القصة القصيرة.

 

وأحسب أننا في السرد العربي ما زلنا ندور بين نمطين: قصص تخييلية طاغية تعتمد على الإمتاع والدهشة، وأخرى تجريبية نرجسية تتعالى على القارئ وتقصيه. أما هذا النص، فيمثّل مقترحًا ثالثًا؛ مقترحًا يوازن بين الوعي بالشكل والانتباه للحظة السردية، دون التفريط في الإرث القصصي القائم على الإمتاع.

المقالة السابقة
المقالة التالية

اضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”