أعتقد أن رواية رجاء عالم «باهَبَل» الصادرة عن دار التنوير عام 2023 مصممَّة على مزاج جائزة «البوكر». وعلى الرغم من نية هذا التصميم وطموحه فإني لا أجدني، لأول مرة، ميالًا إلى التقليل منه. بل على العكس تمامًا، أجده فعلًا في غاية الذكاء؛ لأنها قررت ألَّا ترفض التيار، وألَّا تستسلم له في الوقت ذاته، بل تنساب مع تدفقه، لتخلق من خلال تياره القوي تحفة فنية قادرة على ابتلاعه فيما بعد.
عطفًا على قراءتي لمعظم أعمال رجاء عالم لا أجدها ابتعدت كثيرًا عن عالمها المعهود. فالحكاية مكية كما اعتدنا عليها من حيث المكان، وبطلها «عباس السردار» العلماني شخصية مركبة ومعقدة نفسيًّا، وتعاني من تَشَظٍّ بسبب المجتمعات الديناصورية بحد تعبيرها، بل إن هذه الشخصية الرئيسة تتمثل الذكر والأنثى في جسد واحد، كما في روايتها العظيمة «خاتم».
لكننا في هذا العمل نلاحظ تخففها بشكل متعمد من النخبوية، ونراها تعطينا مفاتيح مركزية شديدة الوضوح، تسهّل وتيسر علينا القبض على أصل الحكاية. ولولا استخدامها المكثف للّهجة المكية كأسلوب أساسي في وصف الأحداث من خلال الحوار وأصوات الشخصيات لقلنا إن رجاء عالم تنازلت تمامًا عن إصرارها على مراوغة المتلقي واستفزازه والإيهام بالتخلي عنه.
حكاية «باهَبَل» (عباس السردار أو نوري قرينه وصنوه المتخيل) تتمحور حول محاولاته البائسة أو المتوهمة إنتاج فلم تسجيلي فنّي عن قصة عماته المقموعات (سكرية ونورية وحورية)، اللائي قضين حياتهن داخل جدران بيت «السردار الكبير مصطفى» (والدهن الدكتاتور)، الذي أصرّ على محو حياتهن بوصفهنّ نساء، ممارسًا عليهن أبشع أشكال القمع، في صورة يمكن تكبيرها وسحبها على ممارسات المجتمع الذكوري تجاه المرأة في ذلك الزمن.
وكأن الحكاية حكايتان في آن: حكاية العمات، وحكاية عباس (أو نوري) الذي استعارت الكاتبة صوته في التعبير عن تضامنه واعتزازه بنساء العائلة (بطلات الحكاية).
فن الرواية هو صوت الضمير الجمعي المتشعب والمتقلب؛ لذلك على كاتب الرواية أن يكون واسع المعرفة كثير البحث دقيق الملاحظة. لا يستخدم اللغة وسيلة إشارية، بل مكونًا توليديًا يسمح بتنامي الأحداث وتفجير المعاني واحتمال الدلالات وتداخل الرؤى والمشاعر.
في رواية «باهَبَل» نحن أمام عمل روائي يعبّر عن كل ما سبق، حيث تصطخب المشاعر داخل السرد وتتجاور شتى المشارب المعرفية، ابتداء من المعرفة النفسية والمشاكسة السياسية والاطلاع الفني الحديث، مع تمكّن عجيب من مفاصل الفن الروائي. فلا إحالات مجانية ولا ترهلات سردية ولا بؤر وفراغات متروكة لخيال المتلقي، كل شيء مشدود بقوة وعناية بالغة على مقاس الحكاية. وبالمناسبة أنا هنا لا أمتدح العمل، بل أقدّم الوصف الذي يرتضيه القارئ الأمين لفن الرواية، وهو وصف لا يتعارض مع الرواية التي بين يديّ.
يسير الخط الزمني في الرواية بمنطقية، من الأقدم إلى الأحدث، باستثناء حيلة البداية والنهاية. والحكاية معتمدة اعتمادًا كليًّا على أماكن قليلة تتحرك فيها مصائر أفراد العائلة ومآلاتها. وإذا نظرنا إلى الثنائيات فسنجدها مضبوطة من حيث التكنيك على نمط معين يتغير بشكل طفيف مع بطل العمل، لكنه مع العمّات يكاد يكون ثابتًا.
حتى على المستوى النفسي الذي حمل الرواية على كتفيه، كل الشخصيات لديها عطب نفسي مشترك هو «الشيزوفرينيا». والكاتبة تتعامل مع عطب شخصيات الرواية بناءً على رؤية عالم النفس السويسري كارل يونق، حتى بدت هذه الثنائيات من التطابق كأنها طبقت صفحة إلى وجهَين.
حتى المتن السردي منقسم إلى دفتَين: ما قبل موت «مصطفى السردار» كبير العائلة وسبب مشكلتها الأساسية في الحكاية، الذي كان يمثل دور قامع المرأة (العمات)، ومِن ثَمّ الحياة التي يمثلها وجود «عباس». أما الدفة الثانية فهي ما بعد موته الذي خلق للعمات والأحفاد أجنحة، لكنها كانت أجنحة مثقلة بالعيب والماضي والعطَب النفسي الذي انعكس بدوره على بطل الرواية، وجعله ينقسم هو الآخر إلى «عباس» و«نوري»: الذات والظل كما عند يونق.
لا شك في أن الرواية في جزئها الأول كانت أجمل وألطف وأكثر تماسكًا، لكنها في جزئها الثاني أصبحت رواية، حيث بدأت في توضيح خطابها وبيانها الفني.
من الصعوبة بمكان استيعاب هذا العمل الفذ في مقالة واحدة، ومن المتعذر احتواء كل جمالياته، لكن لعل ما سطرناه آنفًا يُعدّ من باب المصالحة الشخصية مع أعمال رجاء عالم، التي لم يحدث أن رشَّحتُ عملًا من أعمالها لأحد، على رغم قراءتي المبكرة لها ودراستي إياها أكاديميًا، ويقيني أن مشروعها الروائي من أكثر المشاريع الروائية العربية أهمية واستقرارًا. لكن إصرارها بل عنادها التجريبي كان ولا يزال طريقتها المثلى المستغلقة على عموم القُرَّاء، حتى الذين يستوعبون فكرة التجريب منهم -وهم قلة- لا يتعاطون مع تفاصيل تجربتها. وذلك بسبب فقدان التدفق السردي الممتع الذي يدفع إلى الحديث وتبادل الحوار حول العمل، كما نفعل الآن بشكل جزئي على سبيل المثال.
لكن مع هذا العمل يبدو أننا أمام مرحلة جديدة في تجربة ومشروع لرجاء عالم الروائي، يمكن تسميتها «مرحلة التنازلات» أو «مرحلة النضج»، وكلُّ قارئ يمكنه أن يحدد ذلك بحسب ميله الفني والقرائي.
* نشر في منصة «ثمانية» 2024/4/17
