«لا تمت قبل أن تحب» والانحياز للسهولة السردية

 

في رواية “لا تمت قبل أن تحب” للكاتب محمد الفخراني، الصادرة عن دار العين (2022)، يتجسد أمامنا مفهوم مفقود—إلى حد بعيد—في الروايات العربية، وهو مفهوم «السهولة» بوصفه فنًا سرديًا. يقوم هذا المفهوم، في تصوره المبدئي، على فكرة أن العقول التي تؤمن بالسهولة تمتلك—في المقابل—معتقدات وفيرة، على خلاف الرأي السائد الذي يفترض أن القيمة لا تأتي إلا بالكدّ، وفق منطق يمجّد الصعوبة لذاتها. والحقيقة أن في السهولة ما قد يكون متعذرًا أحيانًا، لا لضرورة الكدّ، بل لاعتناقها بوصفها منهجًا وطريقة. وغالبًا ما يميل المؤمنون بها إلى الإصغاء لصوت القلب، والابتعاد عن القلق المفرط.

 

ولو دققنا النظر في الرواية، لوجدنا هذا المفهوم منعكسًا منذ عتبتها الأولى: العنوان، ثم الغلاف الذي صممه عبدالرحمن الصواف، مستخدمًا زهرة الهندباء بوصفها أيقونة دلالية توحي بهشاشة الحب واتساعه في آنٍ واحد، إذ تُعرف ندف هذه الزهرة بقدرتها على السفر مع الرياح إلى أماكن بعيدة. ومع تعودنا على التعقيد والقلق السردي، قد نظن أن رواية تحمل هذا العنوان المباشر لا يُنتظر منها الكثير، غير أن الأمر—في الحقيقة—على خلاف ذلك.

 

يربط الفخراني طرفي روايته (البداية والنهاية) بفكرة السهولة، عبر الشخصية المحورية «حورية أبو البحر»، الفتاة التي تقع في الحب بسهولة، كما تخبرنا عن نفسها عبر ضمير المتكلم. واللافت أن الكاتب يمسك بهذه الحالة طوال فصول الرواية بإحكام، وكأن الخطاب السردي يدعو المتلقي إلى الانتباه للجمال في كل شيء: في الغرق الذي منحه الحبيب المتخيل (منقذها)، والذي رسمه بصورة رومانسية خالصة، قد تلامس حدود السذاجة. غير أن الكاتب يتجنب دفع هذه الشخصية نحو منطقة التصوف أو الدروشة—ربما لفرط استهلاكها في السرد العربي—ويتجه بها نحو «حب الحياة» في أبسط تجلياته الحسية: الأصوات، والألوان، والرؤى.

 

وإذا حاولنا رصد مواطن الجمال في العمل، فسنجدها حاضرة كذلك في العائلة المحبة: أب مصور، وأم عازفة ساكسفون، وفي المرض ذاته؛ سواء في تجربة التوحد التي تعمل البطلة ضمنها، أو في الورم الوراثي الذي يصيب نساء العائلة. بل إن الجمال يمتد إلى فكرة الرضا بالموت، كما يتجلى في موقف البطلة من وفاة أبيها، حين تقول: «فعلاً لم أبكِ لحظتها. البكاء في نفس اللحظة يناسب أن ينكسر منك فنجان القهوة، لا أن يموت أبوك». ومن هنا، يقود التعبير عن السهولة—جماليًا—إلى الحب، والعكس صحيح إلى حد كبير. وقد يجد القارئ نفسه أمام سؤال مُربك: أيهما يسبق الآخر؟ هل السهولة طريق إلى الحب، أم الحب سبيل إلى السهولة؟ وربما تكمن جمالية العمل في هذا التوتر المفتوح.

 

من أبرز جماليات الرواية تضافر مكوناتها في خدمة منظورها السردي؛ فصيغة العمل متجانسة إلى حد لافت، مما يدل على وضوح الفكرة في ذهن الكاتب، وإخلاصه لها. فاللغة السردية لغة بيضاء سهلة، تميل إلى الدارجة دون أن تنزلق إلى الابتذال، ويظهر ذلك في لمسات لغوية دقيقة توحي بأن هذا الخيار الأسلوبي مقصود ليتناغم مع روح العمل. كما يتجلى هذا الانسجام في ميل الخطاب إلى السخرية الخفيفة، التي لا تنحدر إلى السواد أو التهكم، بل تبقى في منطقة اللطف وخفة الظل، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في عناوين الفصول، خاصة تلك المرتبطة بالحبيب «المنقذ» أو بالأخ الرحّالة «توشكا».

 

ورغم هذه السهولة المتناغمة، يمارس الفخراني نوعًا من التلاعب في الأصوات السردية، وهو تلاعب—على خطورته—جاء محسوبًا بدقة. إذ يمكن للقارئ المتعمق أن يلمس خلفه وعيًا سرديًا واضحًا، يتجلى في تنويع الأصوات، وظهور الراوي الملتبس، الذي لا يتخذ موقع العليم التقليدي، بل يظهر ويختفي، ويسأل بدل أن يجيب، هروبًا من اليقين. ولا يقتصر هذا الالتباس على الراوي، بل يمتد إلى «المروي له» داخل النص، الذي يتلقى الحكاية؛ فهو القارئ أحيانًا، وشخصيات العمل أحيانًا أخرى، بل وحتى الموجودات: البحر، والمطر، والدراجة، والصور، والإسكندرية، وحتى الأفكار.

 

وقد أسهم هذا الوعي السردي—بتضافره مع بقية العناصر—في تحويل الرواية إلى شكل خاص من الحوارية الفنية، التي تتوسل بالسهولة وتسعى إلى تحقيقها، لا هربًا من التعقيد، بل انحيازًا إلى نوع نادر من الجمال السردي، ذلك الجمال الكامن في اللطف والبساطة.

المقالة السابقة
المقالة التالية

اضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”