القصة باعتبارها لعبة لغوية في قصة (كلانا ضيف الآخر) لطارق إمام

الأدب لعبة، نعم لعبة لغوية، أجدني أنحاز إلى هذا التصور، والذين يشدونه نحو الجدية أكثر، يمتطونه، لا يستهدفونه لذاته، وليس هناك فرق كبير بين لعبة خطيرة أو سهلة، الفرق الحقيقي في الامتاع، موضوع الخطورة موضوع قراءة، بمعنى أن القارئ هو الذي يحمِّل النص دلالة الخطورة، لو أراد، لكن هذا خارج قانون الامتاع، وخارج مسؤولية اللاعب، هل تطالنا أسئلة المسؤولية حين نلعب؟ الإجابة -بطبيعة الحال- نعم، وسأحاول الإجابة بجدية عن هذا السؤال، من خلال نص بديع بعنوان (كلانا ضيف الآخر) من كتاب طارق إمام الأخير (أقاصيص أقصر من أعمار أبطالها)، الصادر عن دار الشروق مطلع هذا العام ٢٠٢٤.

 

يبدأ النص بالآتي:

 

“ذات يوم، وأنا في شقتي، جرَّبتُ أن أطرقَ الباب من الداخل.

لدهشتي، فتح أحدُهم لي من الخارج، وسألني عمَّن أريد”

 

أذكر أنني ابتسمت فور قراءتي الأولى لهذه البداية المثالية، ابتسمت لأن طارق إمام من الكٌتَّاب القليلين الذين يمشون في عالم الكتابة كما يمشي لاعب السيرك على الحبل، أو كما يلعب مروض الأسود مع الأسد، وأذكر -أيضًا- أنني قلت في نفسي “هيا اخرج منها يا طارق”!

 

الخروج من النص داخل في قانون اللعبة طبعًا، والخروج الذكي من مميزات الكاتب الفذ، فالأفكار القصصية التي تُدخل الكاتب في لعبة لغوية كثيرة وسهلة، وقد تُؤخذ بالطيش، أو شهوة الرغبة في الإدهاش، الميزة الحقيقية في خلق قانون استثنائي للخروج من اللعبة، كما إن الخروج من النص القصير أكثر تعقيدًا من الخروج من النص الطويل، فتركيز القارئ على أشده، ينتظر لحظة سقوط اللاعب، هنة بسيطة يمكن أن تجعل القارئ يجفل، أو يسخر، فدوافع اللعب قد لا تكون منطقية من ناحية التبرير، وفيها إيحاء بالسخرية من القارئ نفسه، والكاتب الواعي يعرف أن من أجل واجباته، احترام عقل القارئ، خاصة القارئ الذكي، الذي قد تكون أحد منابت متعته المكبوتة أن يرى لاعب السيرك يقع من على الحبل وتتدشتش عظامه على الأرض.

 

تريد أن تعرف القانون الذي وضعه طارق إمام للعبته اللغوية؟ وتريد أن تتأكد بأنه لاعب ذكي ومحترف؟ فكر معي في قلب الأدوار، الداخل في الخارج، والخارج في الداخل، هذا الالتباس، يبدو بسيطًا لو أنه ترك على هذا الوضع، هناك طبقات داخل هذا الالتباس، طبقة يشير إليها العنوان، فالضيف يطرق للدخول، بينما البطل في القصة يطرق للخروج، في ذلك تصور ساخر لكنك لا تستطيع أن تنفي عنه شعريته، وكأن الكاتب يدعونا أن نستأذن لنحل ضيوفًا على العالم إذ نهم بالخروج، فأنت ضيف على العالم إذ تهم بالخروج.

 

طبقة أخرى من التباس النص لها علاقة بالمكان، بالحد الفاصل بين خطوتك خارج بيتك وخطوة الآخرين إلى الداخل، لطالما كانت الجغرافيا مأزق الإنسان، فأعظم القصص تحدث على الحدود الجغرافية، هناك حد بين الخاص والعام، وبين ماهو لك وما للآخر، يحدده هذا الخط الجغرافي بالغ الدقة، والخطورة في الوقت نفسه، طارق أمام هنا يلعب بهذا الخط الحدودي، يدعو القارئ من خلال نصه هذا إلى ممارسة لعبة تقمص الأدوار، ليس من خلال حدث منطقي، بل من خلال تصور شعري وساخر في آن، سهل أن تطرق الباب لتستأذن للخروج، ممكن أن نفعلها بداعي السخرية، الدهشة تكمن في أن هناك على الطرف الآخر من فتح الباب، وسأل الداخل/الخارج عمَّن يريده!

 

القصة بدأت باللعب لكنها لا تنتهي به، فهناك نهر ورجل شرطة يحدقان في بعضهما، انتبه عزيزي إلى موضوع مسؤولية اللاعب التي تحدثت عنها في بداية الأمر، الآن تجاوزنا عتبة الباب، تجاوزناها من خلال نظرات البطل التي تعلو كتف الشخص في الخارج، والذي يحاول أن يداري سوأة الخارج، كما يحاول صاحب البيت أن يحاصر نظرات الداخل المتلصصة.

 

ورغم قِصر النص القصصي المحدود بصفحتين فقط، إلا ان طارق إمام لا يعدم الحيلة من أجل تبرير لعبته اللغوية المدهشة، ومن خلال اللغة نفسها، يقول: “لقد دخلَت المدينة بيتي كثيرًا، فيما، مرةً بعد مرة، أميل بجذعي، وقفًا على بابي المفتوح؛ كي أفسح طريقًا لضحاياها، كلما عبَر عتبتي جسدٌ ساكن، متبوعًا بصرخة”. هل ما زلت تظنها لعبة الآن؟ بعد أن دخل في النص رجل شرطة، وإشارة مرور تبدل ألوانها، وفتيات يهربن من رعب النواصي، على الأغلب ستشعر -مثلي- بأن ما بدأ على هيئة لعبة يمارسها الكاتب من خلال بطله، انقلب عليه وعلينا، فأصبحنا من خلال استعارة نظرته تلك نرى ذاتنا في الخارج، أو في الداخل، وهنا تكمن قيمة اللعبة؛ أي في التباسها بين الذات والآخر، وبين الداخل والخارج، وبين السكوت والكلام، وبين النظر والعمى.

 

أعجبني ألا يفوت طارق إمام الحديث عن حلق الباب، الذي تجاوزه البطل نحو الخارج في نهاية القصة، ففيه الإيحاء بأن الموضوع لا يتعدى كونه لوحة، وحلق الباب إطارها، الذي يحدد الخارج من الداخل، كما يحدد مسؤولية اللعبة، أو الفن لا فرق الآن.

 

إن كل هذه الأبعاد الطِباقية داخل نص قصصي بهذا الحجم، تعيد إلى جنس الأقصوصة وهجه، وتجعلنا نفكر في إمكانيته التعبيرية، وقدرته على مزاحمة الأجناس الأكبر، مثل الرواية والمسرحية، وتعيد إلينا التفكير في أن المشكلة ليست في الجنس الأدبي بل في كُتابه، على طريقة العيب فيكم يا فحبايبكم أما الحب/القصة، يعيني عليها.

 

وإحقاقًا للحق الكتاب يحوي قصص في غاية الروعة والذكاء، ويمكن إفراد مقالات وقراءات لعدد كبير منها، لكن كما قلت سابقًا، هذه ليست طريقتي في تناول المجموعات القصصية، فمن النادر أن يلفت انتباهي مقال يجمع صفات قصص كُتبت بشكل منفصل، حتى وإن كان يجمعها جامع، فليس من الجدية في شيء وضع قراءة لمجموعة قصصية كاملة، إلا إذا كانت متتالية قصصية، أو كانت تتحدث عن الكاتب لا الكتابة، هذا موضوع آخر.

aloqabi4123@gmail.com

كاتب ومسؤول

المقالة السابقة
المقالة التالية

اضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

عبدالله العقيبي

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”