«اشتباك».. عالم ضيق وأسئلة كبيرة

 

كل مشاهدة جديدة لفيلم «اشتباك» (2016) للمخرج محمد دياب، تعيد تأكيد تلك الحقيقة السينمائية العميقة: أن الفن السابع لا يحتاج بالضرورة إلى مساحات ضخمة أو مؤثرات بصرية مبهرة ليكون مؤثراً وعميقاً. ففي أضيق الأماكن، يمكن للسينما أن تولد وتزدهر، وذلك حين يمسك بها مبدع قادر على تحويل المساحات الضيقة إلى عوالم دلالية شاسعة، تتنفس أسئلة الوجود والسياسة والحرية.

 

منذ اللحظة الأولى للفيلم، يجد المشاهد نفسه منجذباً إلى هذا العالم الضيق، ومحبوساً داخل جدران معدنية لا ترحم، يتنفس هواءً مشحوناً بالخوف والتوتر وضياع البوصلة، ويستمع بانتباه إلى همسات الشخصيات التي تتحول تدريجياً، مع تصاعد الأحداث، إلى صرخات مدوية تعكس عمق المأساة. الكاميرا هنا ليست أداة تسجيل، إنها عين مفتوحة بذكاء، لا تترك زاوية إلا واستكشفتها، وكأنها عين خارجية تراقب كل تفاصيل هذا العالم المصغر بعناية فائقة. أما الضوء الخافت الذي يتسلل عبر النوافذ، والظلال التي ترسم لوحات متحركة على وجوه الممثلين، فإنها تصنع معاً جواً سينمائياً يشبه اللوحات التعبيرية، حيث كل لون يحمل دلالة، وكل ظل يخفي قصة.

ما يدهش حقاً في «اشتباك» هو تلك القدرة الفائقة على خلق عالم سينمائي متكامل داخل هذه المساحة الضيقة. فسيارة الترحيلات  شخصية رئيسة صامتة في القصة، حاضرة بثقلها وصلادتها وحمولتها الدلالية، وشاهدة على كل ما يحدث، تضغط على الشخصيات لتكشف عن أعماقها وأسرارها. هذا الأسلوب الإخراجي الذكي يذكرنا بأعمال سينمائية عظيمة كان (اللوكيشن) أحد أبرز أبطالها مثل «12 Angry men» 1957 وThe Shining» 1980»، حيث يصبح المكان المغلق اختباراً حقيقياً لمهارة المخرج وقدرته على تحويل القيود إلى فرص حقيقية للإبداع البصري، والسجن إلى مساحة للتفكير في الحرية والانعتاق.

في الوقت نفسه فيلم «اشتباك» يمثل مرآة عاكسة لواقع مرير. فالأحداث التي تدور في سياق الاعتقالات السياسية في مصر، تطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة السلطة القمعية، عن الخوف والكرامة الإنسانية. الشخصيات المتنوعة في خلفياتها الفكرية والاجتماعية تمثل شرائح مختلفة من المجتمع المصري، كل منها يحمل حقيقته الخاصة، ويدفع ثمناً باهظاً لتمسكه بهذه الحقيقة في هذا الفضاء الخانق. حتى شخصية الضابط، التي جسدها الممثل وليد عبدالغني، تخرج عن النمطية، فهي ليست مجرد شخصية شريرة تقليدية، بل إنسان عالق بدوره في منظومة أضخم منه ومن الأشخاص داخل قفص الحديد المتحرك، ويحمل في داخله صراعاً مريراً بين واجبه الوظيفي وإنسانيته، والوضع نفسه مع المجند البسيط عويس الذي لعب دوره باقتدار الممثل محمد السويسي.

التوقيت التاريخي لإصدار الفيلم وعرضه في كان وترشيحه للأوسكار (عام 2016) يضيف بُعداً خاصاً وأهمية فائقة، لا يمكن تجاهلها. فلم يكن ذلك العام عادياً في التاريخ السياسي المصري، فقد مثل مرحلة حساسة من التضييق على الحريات والانقسام المجتمعي. هذه الخلفية تجعل من فيلم «اشتباك» عملاً جريئاً يلامس جراحاً لم تندمل بعد، دون أن يقدم إجابات جاهزة أو حلولاً سهلة، إنه يترك المشاهد وحيداً أمام سيل من الأسئلة المفتوحة، وأمام حالة من الحيرة والغضب. هذه الجرأة وهذه القدرة على إثارة الأسئلة دون ادعاء امتلاك الأجوبة، هي ما يجعل من هذا العمل نقطة فارقة في تاريخ السينما السياسية المصرية والعربية.

ولا يمكن الحديث عن قوة «اشتباك» دون التوقف عند الأداء التمثيلي المتميز الذي يقدمه طاقم الممثلين. فنيللي كريم في دور سلمى تقدم أداءً استثنائياً يجمع بين القوة والهشاشة، بين التحدي والخوف. كذلك هاني عادل في دور الصحفي، يتحول من شخصية مثقفة رافضة إلى رمز للقبول والفهم العميق. كل ممثل في هذا الفيلم يبدو كعالم مستقل بذاته، مشحون بمشاعر متناقضة ومعقدة، مما يجعل المشاهد يشعر وكأنه يعرف هؤلاء الأشخاص معرفة حميمة، وكأنه صادف أحدهم في شارع من شوارع القاهرة، أو حشر نفسه مع آخر في وسيلة نقل عام.

 

وفي خضم هذا التوتر السينمائي المحكم، يبرز لنا عنصر فني عميق يضفي على الفيلم بُعداً مجازياً مدهشاً: غياب سائق الميكروباص عن معظم المشاهد. فطوال الرحلة المضطربة، لا نرى سائق السيارة، أو نسمع صوته من خلف الكاميرا، وكأن السيارة تسير بقوة خفية، تتحكم فيها سلطة غير مرئية، تقود الجميع (المجتمع) نحو مصير مجهول. وهذا الغياب المتعمد للسائق  هو استعارة قوية لتلك السلطة العليا التي تتحكم في المصائر دون أن تظهر وجهها، والتي تدفع الجميع في طريق لا يعرفون نهايته، بينما تبقى هي نفسها بمنأى عن المساءلة.

 

لكن السحر الحقيقي لهذا الرمز يتجلى في تلك اللحظة الفارقة، عندما تتحول سيارة الترحيلات من سجن متنقل إلى فضاء للتحرر. فحين يفرح المحتجزون أخيراً من السيطرة على السيارة، يظهر السائق للمرة الأولى بوضوح، ربما كرمز لإمكانية تغيير المسار. ظهوره في هذه اللحظة بالذات، عندما تنتقل السلطة من القبضة الحديدية للشرطة إلى أيدي المحتجين، يرسل رسالة واضحة، مفادها أن الخلاص يبدأ عندما نجد الشجاعة الكافية لإمساك عجلة القيادة بأنفسنا، لكن التعقيد يظهر بشكل آخر، حين يظهر أن القائد الجديد للسيارة، ما هو إلا فرد من جماعة الإخوان المسلمين، وهنا يظهر انقسام جديد في نسيج مجتمع المُرحلين، بين مؤيد ومعارض، وبين مطمئن ومفزوع، فتأخذ الدلالة الاستعارية لسائق عربة الترحيلات بعداً دلالياً جديداً، ليس أقل كارثية ولا عبثية من الدلالة الأولى. وهنا تبرز العبقرية في أخذ المخرج وصانع العمل مساحة معقولة من إمكانية اتخاذ موقف محدد، أو بيان صريح، لهذا نجد العنوان الحيادي مبرر تماماً «اشتباك».

هذه اللحظة تحمل في طياتها دلالات متعددة الطبقات. فبعد أن كان السائق مجرد شبح خافت يطيع الأوامر دون اعتراض، يصبح فجأة وجهاً مرئياً، وكأن الفيلم يقول لنا إن الخروج من دائرة الخوف يحتاج أولاً إلى كسر حاجز المجهول. فالسيارة التي يتغير قئدها، هي استعارة كاملة عن الوطن نفسه، الذي يبقى رهينة لقوى غامضة، حتى يقرر أبناؤه أن يقودوا مصيرهم بأيديهم. لكنه لا يكتفي بذلك بل يجعل قوة مؤدلجة تخطف الأمل هي الأخرى.

 

هذا التحول المجازي، من السيارة السجن إلى السيارة التحرر، ومن السائق الخفي إلى السائق المرئي، هو ما يجعل من «اشتباك» أكثر من مجرد فيلم عن أحداث سياسية. إنه بمثابة قصيدة بصرية عن العلاقة المعقدة بين القهر والتمرد، عن تلك اللحظة الحرجة التي يتحول فيها الخوف من السلطة إلى فعل تحرر، والظلام القاتم إلى بصيص أمل. وكما يقول الناقد السينمائي الفرنسي أندريه بازان: «أعظم الأفلام هي تلك التي تترك الرمز يطفو على السطح دون أن يغرق المعنى». وهذا بالضبط ما يفعله «اشتباك» ببراعة فائقة: يقدم لنا رمزاً مفتوحاً على كل الاحتمالات، يظل يلمع في أذهاننا حتى بعد أن تنطفئ الأضواء وينتهي العرض.

في قلب تلك السيارة الضيقة، حيث تختلط أنفاس السجناء بصراخ الضابط، يولد نوع خاص من الاختطاف، هو اختطاف للوعي والإدراك. فنحن كمشاهدين نجد أنفسنا قد اختُطفنا من واقعنا السينمائي المألوف، وحُشرنا في هذه المساحة المعدنية الضيقة التي تتحول تدريجياً إلى فضاء وجودي مكثف. فهو ليس مجرد حبس للأجساد، إنه بالأحرى حبس للزمن نفسه، حيث تتداعى المفاهيم التقليدية للسببية والحركة، فالفيلم لا يروي لنا أحداثاً بقدر ما يختطف وعينا ويضعنا أمام أسئلة جوهرية عن طبيعة السلطة والمقاومة، عن الزمن والتحرر. إنه يجبرنا على اختبار تلك اللحظة الفريدة التي ينكسر فيها التخييل السينمائي التقليدي ليفسح المجال أمام الفكر الخالص.

 

«اشتباك» ليس فيلماً يمكن مشاهدته ثم المضي قدماً كأن شيئاً لم يكن. هو عمل سينمائي يبقى مع المشاهد، وتلاحقه أسئلته، كما تؤرقه صوره، وتطارده رموزه. إنه تذكير قوي بأن السينما الحقيقية هي تلك التي تدفعنا لمواجهة الواقع واستجوابه، ولمحاولة تغييره، وهذا الأهم.

 

في زمن أصبحت فيه الشاشات الكبيرة تعج بالأفلام الهاربة من العمق، يأتي «اشتباك» ليذكرنا بأن الفن العظيم يمكن أن يولد في أضيق الأماكن، ما دام صانعه يحمل في داخله ضميراً إنسانياً، يؤمن بالاختلاف ويقبل الآخر بعلاته، فعلى الرغم من النهاية المأساوية لشخصيات الفيلم، تظل مشاهد عديدة في ثنايا الفيلم تصر على إبراز شكل من أشكال القبول، أكثرها دلالة وصول جميع من في سيارة الترحيلات إلى المصير نفسه، على الرغم من اختلافاتهم المذهبية والفكرية وحتى الجندرية. فالظُلم على الأرجح أعمى فيما يخص الفوارق البشرية.

 

 

 

 

* نشرت في منصة «فاصلة» – 2024/7/22

المقالة السابقة
المقالة التالية

اضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”