لا يمكن للمتذوّق رفض الأدب الصادر عن نزعة إنسانية بحتة؛ فالإنسان، بحسب بروتاغوراس، هو مقياس كل شيء، أي إن الخير والشر، والصواب والخطأ، يُحدَّدان من خلال حاجات الكائن البشري. غير أنّ هذا لا يعني القبول التام بانصراف الكاتب وإعراضه عن الكتابة انطلاقًا من منطلق ذاتيّ جمعيّ؛ إذ يُفترض في الكتابة أن تكون صدى لواقع مجموعتها الإنسانية، خاصة حين تتوافر الشروط التي تجعل لدورها ضرورة وأثرًا.
في مجموعة «الهندي الأحمر الأخير – ماتاواشيش وقصص مهاجرة» للكاتب السعودي طارق الجارد، الصادرة عن دار كلمات (2021)، يلاحقنا سؤال الأدب الإنساني بإلحاح. فليس في المجموعة قصة واحدة تتناول الذات المحلية، ولا العربية حتى؛ إذ تبدو أسماء القصص والشخصيات والأمكنة—كما يوحي العنوان—مهاجرة بالكامل. وقد صادفتُ هذا النوع من الأدب المنصرف كليًا إلى القضايا الإنسانية في أدبنا المحلي، لكنني كثيرًا ما آثرت تجاهله لانخفاض مستواه الفني، إذ كان يقع غالبًا في مرتبة ثانية أو ثالثة. أما هنا، فنحن أمام مستوى فني رفيع؛ سردٌ متماسك وممتع، لا تشوبه شائبة، بل لا يقل—في تقديري—جمالًا عن كثير من السرد المترجم المتداول عربيًا. ومن ثم يبرز السؤال: ما الذي يدفع موهبة سردية حقيقية إلى الانصراف عن القضايا الذاتية، والانخراط في قضايا الآخرين الاجتماعية والسياسية والوجدانية؟
قبل محاولة الإجابة، لا بد من الإشارة إلى تفاوت مستويات التناول الإنساني في الأدب. فثمة مستوى رفيع، موضوعيًا وفنيًا، له شروطه الخاصة للقبول؛ إذ تفرض النصوص المنتمية إليه حالة من الاندماج تجعل سؤال الهوية متأخرًا، وربما غير ذي جدوى. وقد حققت كتابات «مهاجرة» كثيرة هذا الحضور، بحيث تجاوزها النقاد بوصفها جزءًا من المنجز الإنساني الخالص. ولعل من أبرز الأمثلة أعمال جي إم كوتزي، الحاصل على جائزة جائزة نوبل في الأدب عام 2003، ومنها روايته «الرجل البطيء» التي تدور أحداثها في أستراليا، رغم انتقاله إليها من جنوب أفريقيا عام 2002. فقد ظل يكتب بحسّ إنساني متحرر من الانتماء الضيق، وهو ما تؤكده مكانته العالمية وحصوله كذلك على جائزة مان بوكر مرتين.
غير أن ثمة جانبًا آخر يتصل بدائرة تصدير الخطاب الإنساني؛ إذ غالبًا ما يرتبط هذا التصدير بالقوى المهيمنة ثقافيًا، وكأن هناك—ضمنيًا—من يحدد من يحق له إنتاج أدب «إنساني» وبأي لغة. ورغم رفض هذا الواقع، فإنه يظل حاضرًا، ما لم تقرر مراكز الهيمنة الالتفات إلى الأطراف ومنحها قدرًا من الاستحقاق.
بالعودة إلى مجموعة الجارد، لا أجد فيها سوى قصة واحدة تتوافر فيها مقومات الأدب الإنساني الصرف، القادر على تجاوز إشكال الهوية عبر جودته الفنية وعمقه الموضوعي، وهي: «الغافلون عن جوناثان بميدان بيكادللي». في هذه القصة، يمكن تخيّل تبديل الفضاء والشخصيات دون أن يفقد الخطاب السردي فاعليته. وليس في ذلك اعتراض على خيارات الكاتب، بل تأكيد على إمكان تحقق الشرط الإنساني حتى لو جرت الأحداث في سياق عربي أو بشخصيات عربية.
في المقابل، لا تتوافر هذه الإمكانية في بقية القصص؛ إذ يتعذر—مثلًا—نقل أحداث «إمباير ستيت» إلى فضاء آخر، لأن المكان فيها ليس مجرد خلفية، بل عنصر بنيوي متصل بتاريخانيته الخاصة. وكذلك الحال في قصص أخرى ذات طابع سياسي، كالقصة التي تستحضر أحلام فيدل كاسترو، أو اجتماعي، مثل قصة «الركن المظلم من دماغ السيدة (أو)». في هذه النماذج، يغدو «مكان الآخر» هو البطل، بما يكرّس شعورًا بالغربة القرائية.
ختامًا، يبدو أن خيار الكتابة الإنسانية—بالمعنى المتجاوز للذات—خيار محفوف بالمخاطر، خاصة في السياق العربي. فالمتأمل في السرد العربي يجد أن أغلب ما حظي بالقبول والتداول، محليًا وعالميًا، هو ما انطلق من تمثيل الذات أولًا. وليس من السهل إقناع «الآخر» بأهمية مشاركته في كتابة ذاته؛ فهذه الذات المهيمنة لا تُتاح بهذه البساطة، حتى لو بدا ذلك مبررًا تاريخيًا. وربما لا يتحقق هذا الاختراق إلا عبر الكتابة بلغته مباشرة، وهو خيار إشكالي بدوره. لذلك، يظل اختراق المركز—واقعيًا—مرهونًا بالقوة، كما يقول الصينيون القدماء، بينما يظل التخلص من البؤس رهين شجاعة مواجهة الذات ومعرفتها قبل كل شيء
