منذ اللحظة الأولى التي عرفت فيها الأدب – أثناء المرحلة المتوسطة – نشأت بيني وبين اللغة علاقة مركبة؛ ففي اللحظة التي كنت أحس فيها أنني أعرفها جيدًا، كانت تعود وتتفلّت مني. هذا ما أحال علاقتي معها إلى ما يشبه العلاقة بين الصياد والطريدة، ومع تبدّل الأدوار تدخّل في هذه العلاقة ذوات وأشياء أخرى، أعادت تركيب العلاقة، أو أضافت إلى التجربة الحياتية نوعًا من الارتباك، الذي لم أجد منه مهربًا إلا عبر اللغة. هنا تحديدًا أصبحت اللغة مصيرًا، والأدب صورة هذه اللغة.
جربت الشعر بشكل سري في البداية، قبل أن أعود إليه لاحقًا على نحو يحمل الكثير من الطموح والقليل من التصديق. المقرّبون مني يعرفون أن علاقتي الأولى مع اللغة كانت عبر بوابة الشعر، وقد ظلّت هذه العلاقة خارج حدود النشر في تلك المرحلة، وبمعونة الغفلة، وإيمان الأصدقاء، عدت إليه أخيرًا، وبدأت في نشره بشكل علني، وربما اتسعت دائرته أكثر مما توقعت، وأكثر مما أريد.
قبل نشر الشعر نشرت القصة القصيرة، وبعده جاءت مرحلة الكتابات النقدية والفكرية. والآن، بعد مرور أكثر من عقدين على بداية التجربة، أرى أن هذه الرحلة كانت منطقية إلى حد كبير، وإن لم تكن تقليدية.
على امتداد هذه الرحلة، كانت الأجناس الأدبية في حالة تجاور مستمر؛ فاهتمامي بالشعر نابع من ضغط لا أفهمه حتى الآن، أعرف أنه موجود، لكن دون أن أبذل جهدًا في استدعائه أو الذهاب إليه. أما القصة القصيرة، فاتنة السرد، فلم أستطع مقاومتها منذ البداية، كنت – ولا أزال – ألتقطها في تلك المنطقة التي يلتقي فيها الخيال بالواقع. لذلك، حين أعود لقراءة قصصي، أشعر أن هناك أشخاصًا وأحداثًا حقيقية، لكنها حقيقية داخل مخيلتي الخاصة؛ فلديّ أخي الحقيقي، وأخي الآخر الذي يعيش داخل قصة ما، وينسحب هذا على الأماكن بطبيعة الحال.
أما على مستوى الكتابة النقدية، فقد كان لديّ شعور مبكر بأن في داخلي ناقدًا. في البداية كان صوتًا غاضبًا، ثم، ومع التعمق في دراسة النقد والقراءة بتوسع فيه، بدأ هذا الغضب يخف تدريجيًا، ليتحوّل إلى رغبة في التفكيك والفهم. وقد ساعدني في ذلك، بطبيعة الحال، الاشتغال على الفنون، وفي مقدمتها الرواية، التي واصلت دراستها أكاديميًا بشكل معمق.
صاحب هذا الاهتمام بالأدب واللغة ارتباطٌ تشكّل تدريجيًا مع الفنون الأخرى؛ فحين وجدت بيئة للمسرح، جربت الكتابة له، كما جربت الإخراج. وحين قادتني الحياة إلى مجتمع الفنانين التشكيليين، وجدتني قريبًا منهم، أشاركهم الجانب اللغوي من العملية الفنية، من خلال كتابة البيانات الفنية، والكتابة عن تجاربهم وأعمالهم. ومع بدايات تشكل المشهد السينمائي محليًا، كنت حاضرًا للمشاركة في كتابة السيناريو، وأنجزت عددًا من الأعمال في هذا المجال، صحب ذلك الكتابة النقدية عن السينما أيضًا.
رحلة الأدب والفن والكتابة مستمرة حتى الآن؛ ذهبت أشياء كثيرة في الطريق، لكنني لم أتنازل ولم أترجل. ما زلت أرى نفسي أحد سالكي هذا الطريق، الطريق المؤدي إلى الجمال.
أنتجت خلال الرحلة عددًا كبيرًا من الإنتاجات، خرج للنور منها:
- صوت الموجة (مجموعة قصصية)، نادي المنطقة الشرقية الأدبي، السعودية، 2009.
- يوتيرن (مجموعة قصصية)، دار أثر، السعودية، 2013.
- تبًا: كخطأ مقصود في ترجمة الأفلام، دار أثر، السعودية، 2019.
- التضحية بالقارئ: دراسة نقدية، دار أدب، الرياض، 2023.
- الكاميرا القلمية في السينما السعودية: دراسة نقدية، جمعية السينما، السعودية، 2024.
- يهجم يهجم يهجم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة إبداعات عربية، القاهرة، 2025.
