«الموظفون» حين يتحول الإنسان إلى ملف بيولوجي

 

وقفتُ أمام مكتبتي وانتشلتُ رواية “الموظفون” The Employees، بحكم قلة صفحاتها وخفّتها. خبّأتها—طبعًا—قبل أن تتنبه زوجتي، على الأقل إلى أن نصل إلى وجهتنا غير البعيدة. وكما في كل مرة، أضعها أمام الأمر الواقع: كتاب في يدي، وردود سريعة على مقاطعاتها المستمرة، ثم يأتي هروبها الانتقامي إلى السوق ببطاقة الصراف الآلي، ورسائل الشراء المتتالية التي تجعلني أجدّ في القراءة؛ لأنتهي قبل أن تُجهز على المتبقي من راتب الموظف الضعيف! المهم أن الرواية كانت تستحق هذا العناء، وسأحاول أن أتخفف قليلًا وأكتب بشكل سريع ما جال في خاطري أثناء القراءة.

 

أعتقد أن هذا النوع من السرد هو أحدث ما يمكن أن يكون؛ ففيه تجاوزٌ كبير لقيمة الزمن، ليس من حيث التتابع السردي أو المعمار الحكائي فقط، بل من حيث الفضاء في مجمله. ففضاء الرواية هو ذاته الفضاء الكوني، حيث يختلّ مفهوم الزمن، وتدور الأحداث—أتساءل: هل يمكن تسمية الأمر أحداثًا أصلًا؟—في سفينة فضائية تسبح في اللازمن، أو في زمن معقّد في أقل تقدير. والقارئ يتصوّر ما يحدث وما حدث عبر فصول متفاوتة في قِصَرها؛ إذ لا يتجاوز بعضُها عدة أسطر، بل إن هناك فصولًا هي مجرد شذرات شعرية مكوّنة من نصف سطر، لكنها في غاية الأهمية والروعة.

 

وهذه الفصول ليست إلا شهادات مرقومة لشخصيات الرواية—أو «فواعلها» على نحو أدق—وتكوينها على هيئة شهادات يوحي بوجود مشكلة أو قضية مفتوحة تستدعي أن يكون الحكي على هذا النحو. غير أن الكاتبة لا تمنحنا حتى القدر اليسير من الإيحاءات حول ماهية هذه القضية، التي ستؤول في النهاية إلى قرار تحليل جميع من في السفينة بيولوجيًا. ثم تحوّل الكاتبة هذه القضية إلى هامش، إذ تتكرر كلمة [محذوف] كلما أوشك أحد «الفواعل» أن يكشف عنها.

 

وليس هذا فحسب، بل إن ثمة ما يدعو إلى الدهشة حقًا: تسمية الأماكن داخل السفينة، وعلاقات البشر بـ«الأشباه»، وعلاقة الجميع بالمكوّن الخارجي الذي يعبر—بصورة ما—عن الصانع الأول أو الخالق لهذا الوجود الغريب، فضلًا عن الموارد وسبل الحياة (أي الوجود المنطقي) داخل هذا الفضاء المصنوع، وكذلك «غرفة الأشياء» التي لا تسمّي الكاتبة أيًّا من محتوياتها؛ إذ يقتصر ما تقوله—على لسان الموظفين في شهاداتهم—على وصف علاقتهم بهذه الأشياء.

 

تعبر الرواية، من خلال هذه الشهادات، بلغة شعرية حديثة ومبتكرة عن خطاب—أتساءل هنا أيضًا: هل يمكن تسميته خطابًا؟—لنقل تجاوزًا: إن خطاب الرواية يصف ما يعيشه الإنسان الحديث، بل إنسان المستقبل، بل الإنسان المشكوك في أمره، الذي اختلطت علاقته بذاته عبر «الشبيه» (الآلة)، التي باتت تحلّ محله وتتكلم عنه، وتعيد تعريف علاقته بنفسه.

 

كل ذلك—وغيره—يقدّم صورة للإنسان بوصفه «موظفًا»، وكأن هذا الشكل هو صورة الوجود الممكن. بل إن انتهاء هذا الوجود بالتحليل البيولوجي يبلغ حدًّا بالغ القسوة، إلى أن تختتم الرواية بصوت آخر الباقين، الذين بدأوا في مشاهدة العشب لأول مرة في حياتهم، في إشارة إلى بداية جديدة للوجود في مكان آخر أطلقت عليه الكاتبة «الوادي».

 

أخيرًا، لا يمكنني تجاوز مكوّنين أساسيين في الرواية: المكوّن الشعري، والمكوّن الفلسفي. وهما—في تصوري—أهم ما فيها؛ إذ بدونهما لا يبقى شيء يُذكر. وبهذا تنتصر الكاتبة لقيمة الشعر والفلسفة، وتعيد النهاية إلى بدايتها، وهنا تكمن عبقرية العمل.

المقالة السابقة
المقالة التالية

اضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”