رامبو الحبشي والبيان الاحتجاجي

 

في رواية حجي جابر، الصادرة عن منشورات تكوين (2021)، يطغى الجانب الفكري على الجانب الفني؛ فالعمل، بوصفه سردًا روائيًا، يقع في المرتبة الثانية، بينما يتربع المحمول الفكري، المحمَّل بأطروحات فكر ما بعد الكولونيالية، على واجهة العمل، إذا ما استثنينا بعض التهويمات الفنية المكشوفة، من عنوان، واستهلالات، وعناية بالعتبات. وهذه مشكلة عويصة تجعل المتلقي يتوقف عن تصديق الحكاية والإيمان بها كما وردت في النص، رغم صحة بنيتها التاريخية.

 

وأكثر ما يشي بهذه الصفة الفكرية للعمل تدخلات الراوي العليم، الذي هيمن صوته على كامل النص؛ فبينما تكون وظيفة الراوي في الفن الروائي سرد الحكاية واختيار زاوية الرؤية، نجده في هذا العمل ينظّر ويبث رؤاه في كل آن، ما حوّل العمل إلى وثيقة اعتراض طويلة (261 صفحة).

 

فالحكاية تحضر لا بوصفها حكاية، بل بوصفها ملعبًا هامشيًا يمر من خلاله البيان الاعتراضي للكاتب. وهذا الفعل سيكون مقبولًا لو أن حجي جابر انتبه إلى مسألة التوازن بين ما هو فني وما هو فكري، لكنه —مع الأسف— لم يفعل، فجعل العمل السردي محمّلًا بالرؤى أكثر من كونه رواية تُحكى. فلو ذهبنا لمناقشة الحكاية، لن نقع على الكثير مما يُحكى، بل سنجد الكثير مما يُناقش بوصفه فكرًا. وهذا النوع من الكتابة، الذي يجنح ناحية التعبير الفكري بدرجة أكبر، يثقل العمل الروائي وينفي عنه صفته الفنية الأهم؛ فتغدو عناصر الفن —بسبب ذلك— عناصر مشوهة خالية من الجمالية: فالأحداث باردة، والسرد متباطئ، والشخصيات وظيفية وغير مقنعة.

 

ما يؤكد هذا الأمر تسرب الرؤى إلى الشخصية الرئيسة (ألماز)، التي بدت محمّلة، من خلال تداعياتها النفسية، بالكثير من الآراء الفكرية. وهذا ليس من المنطق في شيء؛ فهي فتاة حبشية تعيش في وسط ثقافي محدود، وفي زمن يغلب عليه الجهل والخرافة (نهايات القرن التاسع عشر)، فمن أين تأتي بكل هذا المنطق وهذه الرؤى؟!

 

وإذا افترضنا جدلًا أن الشاعر الإشكالي (آرثر رامبو) أثّر في تكوين بطلة القصة (ألماز)، وتعهدها بالرعاية وبث فيها معرفته العميقة، فإن النص لم يعتنِ بهذه المسألة، بل جعلها شخصية هامشية بالنسبة للشاعر، بالكاد يلتفت إليها أو ينتبه لوجودها. وإن كان في (ألماز) شيء من هذا التأثر، فهو في رأس الكاتب، ولم يثبته أو يعتنِ به على الورق؛ فالعمل خطّ لها هذا المصير الهامشي، الذي يبعدها عن فكرة وجودها الرائي.

 

لقد خاطر —في تصوري— حجي جابر مخاطرة جيدة تُحسب له، في محاولته استثمار حياة الشاعر الجدلي (آرثر رامبو)، فتجربة وجوده جديرة بأن تكون موضوعًا روائيًا غنيًا. فشعره، الذي أربك التاريخ الشعري، اكتفى حجي جابر باستثماره كتصدير للفصول، ما يوحي بأنه لم يكتشف عبقريته الشعرية ولم يقترب منها حتى، أو أهملها على أقل تقدير.

 

كما أن نظرة (رامبو) الهشة والحالمة للعالم، التي بدت من خلال رسائله لأمه وأخته وأصدقائه، لم تشفع له عند حجي، ليعيد النظر في وجوده داخل العمل الروائي. وبدلًا من ذلك، جعله في مربع الاتهام، فنصّبه في موضع المُهَمِّش الأبيض (بكسر الميم الثانية)، بدلًا من وضعه في موضع المُهَمَّش (بفتحها وتشديدها). وهذا فيه هدر كبير للطاقة الموضوعية والفنية في شخصية (رامبو).

 

ولطالما كانت شخصية الشعراء الكبار منزلقًا خطيرًا للروائيين؛ فالشاعر —بحسب عماد أبو صالح— «لا يملك أحد حق معاقبته، ليس لأنه فوق المساءلة، وإنما لأنه —مهما شاخ— يحمل بين ضلوعه قلب طفل، ومن هو ذلك القاسي الذي يعاقب قلب طفل؟». فما بالنا بقلب (آرثر رامبو)!

 

لقد خذلني العمل، كقارئ، مرتين: مرة بخديعة العنوان الذي يحوي اسم (رامبو)، فمن ذا الذي سيعرض عن عمل تكون في عتبته هذه الشخصية الأدبية السحرية؟!

 

ومرة حين وضع (رامبو) في موضع النزق الإقصائي؛ وما أقرب (رامبو) من النزق، وما أبعده عن الإقصاء. والأدهى من ذلك أن يكون هذا الإقصاء منطلقًا من منظور استعماري. وأنا هنا لا أنفي الممارسات المثبتة تاريخيًا على (رامبو)، فقد تاجر بالسلاح، لكنه حتمًا ليس المثال الأمثل للمستعمر الأبيض في صورته الأبشع. وهذا يجعل بيان الكاتب دعوة للتعامي عن كل تأثير أدبي لـ(رامبو)، وصرف النظر عن مجده الفني، وتوجيه الاتهام قسرًا إليه بوصفه مستعمرًا غربيًا، وهو ما يتناقض مع وجود (رامبو) المثبت أثناء إقامته في (هرر) أيضًا، والذي أثبته العمل ذاته.

 

من هنا، أتصور أن حجي جابر أهدر فرصة سانحة لصناعة عمل روائي كان سيكون مهمًا، لو أنه حاول اختراق زوايا أخرى من وجود (رامبو الحبشي)، بدلًا من الاستثمار الشكلي الخالي من العمق، والمتمثل في العتبات وبعض تضاعيف النص السردي.

 

أخيرًا، في العمل أزمة مكان واضحة؛ ففي اللحظة التي اتضح فيها إمساك حجي جابر بالزمان الروائي ببراعة، جاء المكان مجتزأً على شكل كتل مكانية، خالية من فكرة التجول التي تجعل القارئ يتنفس داخل الرواية. فالأحداث موزعة على أماكن بعينها، مثل منزل الشاعر، والسهل، وساحة المسجد، أما المرور بين هذه الأماكن فيبدو أن حجي جابر قد أوكله إلى خيال القارئ، وهذا الاعتماد ليس صحيحًا بالمرة؛ فمن صفات الروائي البارع تصوير تفاصيل المكان بدقة متناهية، تجعل المتلقي يصدق بوجوده ويشعر بالحركة السلسة فيه، والتي تتسرب أساسًا من براعة الكاتب في التخييل، لا من الاعتماد على فروقات القراء.

المقالة السابقة
المقالة التالية

اضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”