صرخة الذاكرة.. قراءة في «أقفاص فارغة»

 

قال عبدالرحمن منيف في لقاءٍ مسجّل مرةً إن الكاتب، إذا ما أراد أن يُضمّن سيرته الشخصية في عملٍ روائي ويعتمدها مصدرًا وحيدًا، فعليه أن يكتب روايةً واحدة، أما إذا أراد أن يكتب أكثر من عملٍ روائي، فعليه أن يحذر من حجم وجوده في أعماله. تذكّرت ما قاله منيف في ذلك اللقاء أثناء قراءتي لرواية “أقفاص فارغة – ما لم تكتبه فاطمة قنديل” للشاعرة فاطمة قنديل (الكتب خان، ٢٠٢١)؛ تذكّرته لأن فاطمة قنديل عملت تمامًا بنصيحة منيف، فقد اعتمدت على حياتها وسيرتها الذاتية مصدرًا وحيدًا لعملها الروائي، وحتى لو كتبت قنديل روايةً أخرى، فهي في هذا العمل لم تخرج، ولو قليلًا، عن توجيه منيف. وأعتقد جازمًا أن كثيرًا من القراء يستهويهم هذا النوع من الأعمال الروائية، التي يكون فيها صوت الكاتب حقيقيًا، موجوعًا ومُوجِعًا في الوقت نفسه.

 

وفضلًا عن الوجع الذي تورثه الحقيقة فينا، فإن “أقفاص فارغة” لفاطمة قنديل تحمل وجعًا مضاعفًا ومرعبًا، والأمر في اعتقادي لا يخرج عن أحد خيارين: إما أن حياة الكاتبة خالية من المباهج، أو أن الكاتبة شذّبت روايتها من مباهج الحياة، ولم تقدّم للمتلقي سوى ما يخص أوجاع حياتها. وأنا أميل إلى الخيار الأول؛ فمستوى الصدق في الأحداث، وما يُتوقع أن يترتب عليها، يجعلنا ندرك أن الأسى هو المكوّن الرئيس في حياة الكاتبة، التي لم تصرّح باسمها في الرواية، بينما تشير الأحداث والتشابه بين واقع الكاتبة وما سطرته على لسان بطلتها إلى ذات الحياة، لدرجة التطابق. صحيح أنني لا أعرف أسماء أفراد عائلتها ولا أقاربها ولا أصدقاءها، لكن مستوى الصدق يشعرني أحيانًا أن جلّ جهد الكاتبة كان في التذكّر، ولعل هذا واضح في ترتيب الفصول، وفي تداخل الزمن الحكائي، الذي لم ولن يتفلت منها؛ لأنها تكتب أحداثًا حدثت بالفعل، وقد صرّحت بذلك لصديقتها “رئيفة” التي تتابع معها رحلة الكتابة. إضافةً إلى أنها، في عدد من المواضع، صرّحت بأنها تكتب بهذا المستوى من الصدق لأن جميع من تكتب عنهم ماتوا، وهذا ما يجعل عملها ليس مجرد شجاعة وتخلٍّ عن الأهل مقابل الكتابة، بل يجعله عملًا لا يتخلى عن أخلاقيته بالدرجة الأولى.

 

وقد يظن البعض أن مجرد الشجاعة في كتابة السيرة قد يصنع عملًا روائيًا قيّمًا، مثلما فعلت فاطمة قنديل، أو نصف ما فعلت على أقل تقدير، والحقيقة أن ذلك غير صحيح؛ فليست الشجاعة والتذكّر فقط هما ما يصنعان عملًا روائيًا فذًا، بل هناك عوامل أخرى فنية وغير فنية أيضًا. وأنا هنا، على غير العادة، أود أن أضع يدي على غير الفني، لأن قيمته التوثيقية تفوق ما يمكن الحديث عنه فنيًا. لقد قدّمت لنا فاطمة قنديل، في هذا العمل، وبذكاء بالغ، صورةً للإنسان المصري، وأكاد أقول إنها صورة طبق الأصل له، في جميع مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والنفسية. قدّمتها في جميع تحولاتها عبر سردها للتاريخ العائلي الممتد من جدّها وحتى بلوغها سن الستين؛ فالعمل يتضمن تحولات الإنسان المصري فيما يقرب من مئة عام، تحولات أتت على صعيد المناطق التي عاشت فيها العائلة، والتغيرات الاقتصادية والتعليمية. أضف إلى ذلك أزمة الاغتراب المتتالي لفردين من أفراد العائلة، “راجي” ثم “رمزي”، ذلك الاغتراب الذي كان له أثر بالغ على أفراد العائلة، ابتداءً من الأب، مرورًا بالأم المفجوعة بما حلّ بابنيها، وانتهاءً بالكاتبة نفسها، التي فقدت الأمل في عودة المغترب حتى بعد عودته الحقيقية.

 

والمتلقي يمكنه أن يرى تلك التحولات حتى على مستوى التغير العمراني؛ فالانتقالات التي قامت بها العائلة من حيّ إلى حيّ في القاهرة نفسها تبيّن، بوضوح، مستويات متعددة من الحياة الاجتماعية. وليس التغير الجغرافي وحده هو المتربع على سير الأحداث والتحولات، بل هناك أيضًا التغيرات على المستويين الاجتماعي والاقتصادي؛ فزواج البطلة في المرتين جاء على النسق نفسه من التحول الاقتصادي الاجتماعي، وكذلك طلاقها في المرتين له مبررات تخص التحولات التي طرأت على الإنسان المصري. فالعمل يوثّق توثيقًا أمينًا للحياة الواقعية، وهذا التوثيق، بطبيعة الحال، يلتقط زوايا مهمة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتحولات السياسية، وإن لم تصرّح الكاتبة بذلك؛ لكن جهدها في التقاط زوايا الحكي، والتقديم والتأخير في السرد، يوضح ذلك بجلاء.

 

أخيرًا، هذه الرواية من أهم الروايات الصادرة حديثًا، وتحمل من الأهمية أضعاف ما فيها من الوجع والأسى، وتنحت من الواقع المرّ ضعف ما يمكن للخيال أن يفعل. هي رواية، في شكلها الظاهر، وثيقة لأوجاع عائلة مصرية صغيرة، لكنها، في جوهرها، صرخة جمعية مدوّية، سيُكتب لها حتمًا أن تتغلغل في نفس كل قارئ.

المقالة السابقة
المقالة التالية

اضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”