إذا كانت رواية الأصوات المتعددة، أو الرواية البوليفونية كما اصطلح لها ميخائيل باختين، ذات منشأ ديمقراطي ينأى بالسرد عن منطق الرأي الأحادي المتوافر في الروايات التقليدية المنولوجية، التي يستأثر فيها السارد بالرأي والمعرفة، ويقدّم الخطاب من خلال منظوره الفردي، فإن رواية “اللقاء الأخير” ليوسف نبيل، الصادرة عن المحروسة (2019)، قدّمت لنا—من حيث الشكل—رواية بوليفونية، تتعدد فيها الأصوات بتعدد الشخصيات؛ فكل شخصية في الرواية تتحدث بضمير المتكلم من خلال موقعها في الحكاية. أمّا من ناحية المضمون، فأعتقد أن الرواية لم تتعمق في مفهوم الرواية البوليفونية، وعملت—على نحو ما—ضد مبدئها الديمقراطي، الذي لا يقوم في جوهره على تعدد الأصوات والشخصيات فقط، بل يتعداه إلى تعددية اللغة، والأساليب، والمواقف، والمنظورات السردية. ولعلي أحاول في الأسطر القادمة توضيح هذا الإشكال.
في البداية، لا بد أن نتنبه إلى أن الفنون السردية ذات الطابع الأفقي المتمدد لا تكتفي بشكلها الفني الذي تُقدَّم من خلاله؛ إذ علينا أن نلاحظ منشأ ومنبت هذا الشكل السردي. فظهور الشكل الفني يحيل—بالضرورة—إلى المعترك الفلسفي الذي سبق نشأته أو صاحبها. فمثلاً، ليس كل عمل سردي خالٍ من أسماء الشخصيات يحيل بالضرورة إلى تشيؤ الإنسان كما هو لدى فرانتس كافكا؛ فهناك مصاحبات فكرية ونقدية أخرى تُحيل عمدًا إلى البعد الفلسفي للشكل الفني، وهذه المصاحبات هي التي تسببت—على الأغلب—في ظهوره وترسيخه والإيمان بأهميته وحداثته. وهي ذات تعالق عميق بزمان ظهوره ومكانه، وبأبعاده النفسية والاجتماعية والسياسية، كما ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالدرس النقدي. وكل ذلك يمكن أن يحضر داخل العمل السردي بطبيعة الحال، وفي الرواية يحضر بإمكان مضاعف، بحكم طبيعتها الفنية التي تمكّنها من احتمالية قول كل شيء، دون أن يحيل ذلك إلى محمول ذهني زائد على الحد. فهذه طبيعة الفن الروائي، وهذه إحدى مزاياه التي تجعله—ربما—الفن الوحيد القادر على التعبير عن اللحظة الراهنة مهما بلغ مستوى تعقيدها.
ومن خلال ما سبق، يمكن ملاحظة أن رواية “اللقاء الأخير” ليوسف نبيل اكتفت بالشكل السردي الحديث الموصوف بالرواية البوليفونية، وهذا يُحسب لها من حيث المبدأ العام، أي من ناحية عدم الركون إلى السرد التقليدي أحادي الرؤية، ولكن من دون الولوج إلى دهاليز ومنابت هذا الشكل الحديث. فالسارد—رغم تعدده شكلاً—لا تزال روحه ولغته ومواقفه وأسلوبه السردي واحدة وغير متعددة، وكأنه يحيل إلى رؤية سارد واحد، هو المعادل الموضوعي للكاتب—في ظني—الذي كان يتوجب عليه الاختباء خلف الأصوات المتعددة؛ وإلا فما جدوى الوجود البوليفوني؟! فلا تفاوت كبير مُلاحظ في الرؤى الفكرية لدى الشخصيات، ولا في تباينها النفسي، ولا حتى في توجهاتها السياسية، على الرغم من تعددها الشكلي، رغم توافر إمكانية تعدد الأصوات الفعلي داخل الحكاية. فالبطل من ديانة، ومحبوبته من ديانة أخرى، والأب شخصية عصابية يقابله الأم الضعيفة الراكنة إلى سلطة الكنيسة، وحتى ضابط الشرطة—الذي شغل صوته حيزًا كبيرًا داخل العمل—بدا لي أن وعيه أكبر وأعمق من الوعي الذي يمكن أن يتمتع به ضابط شرطة مصري في اللحظة الزمنية التي تدور فيها أحداث الرواية. وإذا كنت سأستثني صوتًا واحدًا مما سبق، فسيكون صوت المرأة العاقر، التي أسهمت في تكوين شخصية البطل في طفولته؛ إذ شغل صوتها تحوّلًا ذكيًا على مستوى التكوين السردي، حيث ظهر من خلال مذكرات مكتوبة، لا عبر تعبير صوتي قريب من الصيغة الشفوية التي تتخللها الحوارات، كما لدى بقية الشخصيات.
أخيرًا، لا أود أن يُفهم مما سبق أن الرواية ضعيفة في تكوينها، أو أنها لا ترقى إلى المستوى المنشود من حيث الحكاية وعناصرها الفنية. ما أود توضيحه هو أن الشكل السردي الذي قُدِّمت من خلاله الرواية لا يمثل إضافة نوعية في حقله، وأن الحكاية—لو عُرضت بأي مقترح سردي آخر—يمكن أن تحقق النتيجة ذاتها. بمعنى أن المنطلق الشكلي للعمل السردي لا بد أن يكون ضلعًا أساسيًا وحاجة ملحّة، بحيث يمكن للعمل أن ينهار كليًا لو أُزيح عنه هذا المكوّن. وإذا لم يكن كذلك في تكوين العمل—أو على الأقل كما أتصوره—فإنه لا يعدو كونه حلية سردية، أو ترفًا معرفيًا بآليات السرد الحديثة.
