عن ماكيت القاهرة لطارق إمام

قراءة العمل التجريبي على طريقة قراءة الأحاجي والألغاز مشكلة من مشكلات القراءة، لهذا قيل إن قارئ الأعمال التجريبية لا بد أن تتوفر لديه الكفاية من الوعي بطبيعة التجريب، وإلا اعتبر المشكلة في النص لا فيه هو، لكن هذا الاعتبار لا يجعلنا نقبل كل تجريب هكذا بشكل مطلق، فجمالية التجريب وفنيته تختلف من عمل تجريبي لآخر.

من هنا تتمايز الأعمال التجريبية فيما بينها، إلى درجة تحيلنا إلى ضرورة الاعتراف بأن لكل عمل تجريبي تعريفه الخاص للتجريب، وطريقته الفريدة في فهمه، التي تخصه دونًا عن سواه، وبالتالي تتفاوت مستويات تلقيه بحسب وعي القارئ. ومن الأعمال الإشكالية التي قرأتها خلال الأيام السابقة “ماكيت القاهرة” للروائي طارق إمام، الذي أعتقد أنه الأبرز في اللحظة الراهنة تجريبيًا، فأعمال طارق إمام لا يمكن أن تستسلم للتقليدية أبدًا، وفيها إصرار عجيب على مشاكسة القارئ، ومن الطبيعي أن تختلف الرؤى حول تجربته، بل وتختلف رؤى القارئ الواحد أثناء قراءة النص الواحد. أتخيل هذا لأن هذا ما حصل معي بالتحديد أثناء قراءة “ماكيت القاهرة”.

فقد تضاربت آرائي ومشاعري ناحية العمل، مرة أحبه وأنغمس في شخصياته وأعيش معها داخل مصغرات القاهرة العجيبة، ومرة أخرى أَمُجُّ العمل وأضجر منه، وأبتعد عنه لأختبر مدى تعلقي به، مرة يبدو العمل مقنعًا وعظيمًا، ومرة يبدو هشًا متداعيًا، مرة يكون في غاية الأهمية وينطق بالحقيقة التي لا تخطر على بال، وأخرى يبدو ساخرًا من قارئه ومادًّا لسانه بتبجح. ولكن أليست هذه طبيعة العمل التجريبي؟ أليس التجريب، في أحد تعاريفه، التضحية بالقارئ؟ بلى، هو كذلك دون شك، والتضحية بالقارئ نوع من أنواع الشك في وجوده أساسًا، ما يجعل علاقته بالعمل علاقة تصارع مستمرة، بين الرفض والقبول، بين الوجود والعدم.

وأكثر ما لفت انتباهي في التجربة هو وعيها المؤلم بنوعية هذه العلاقة، فالقارئ يجد نفسه في هذه الرواية حتمًا، تحديدًا في فرضية كتاب “منسي عجرم” الذي يقرأ فيه كل شخص حكايته، والذي كانت تسميته مصدر إزعاج لي طوال قراءتي للرواية، هو وأسماء أخرى نحتت المنحى نفسه، مثل “ليونيل مرسي”، و”زين الدين زيدان” وخلافه. فقد أخرجتني من الانغماس في الخيال، وهذه التسميات جعلتني أغضب من طارق إمام وأتحدث معه أثناء القراءة بشيء من العتب، لأن التجريب مهما بلغ لا بد أن ينطلق من منطلق فني، وهذا ما وجدته في كل طرائق التجريب في العمل، عدا هذه التسميات التي لم أستطع أن أجد لها منبتًا فنيًا، وأتمنى لو وجدت، بل سأكون سعيدًا لو وجدت.

لكني في نهاية الرواية عثرت على بعض العزاء عندما قرأت هذا المقطع: “كل نص يظل قابلًا للتلقي حتى لو كان ناقصًا أو غير مكتمل.. ودعني أقول إن العزاء الأكبر هو أن لا وجود لنص مكتمل”. وأنا أقول: يعجبني النص الذي يعي هذه الطبيعة للعمل الفني، ويعي فداحة النقص الذي يعتري الحياة كلها، بما فيها التخييل، وما تصغير القاهرة ومحوها مرة أخرى بهذا العمل الروائي إلا دليل على وعي الحبيب طارق إمام بفداحة هذا النقص، وقد عبّر عنه في الحكاية نفسها، وبأصعب وأعقد الحيل التجريبية، التي كان شكلها يتغير في كل مرة ويتبدل في كل حين، ببراعة وقدرة خيالية هائلة.

شكرًا طارق على هذا العمل الإشكالي والفني، الذي نبت من الفن ذاته، شكرًا لهذا العمل الذي يشبه هذياننا المستمر في الفن.

المقالة السابقة
المقالة التالية

اضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”