يعترف النقد للرواية بأنها البيئة الأنسب – وربما الوحيدة – القادرة على الجمع بين الخير والشرور، وبلغة النقد الحديث بين اليوتوبيا والدستوبيا؛ ذلك أن الرواية، في جوهرها، ومنذ نشأتها الأولى، كانت وستظل محاولة دؤوبة لخلق حياة موازية للعالم بجميع تناقضاته. وهذا التصور التقليدي لفن الرواية متجسّد تمامًا في رواية “المئذنة البيضاء” لـ يعرب العيسى – (منشورات المتوسط، ٢٠٢١). ولا عيب إطلاقًا في التصورات التقليدية عن الرواية كفن، خاصة إذا ما كان السبك والجودة حاضرين، بل ويميزان العمل ويحفّان عناصره الفنية؛ فالذهاب باتجاه النهج التقليدي في الأعمال السردية خيار محترم، يتعلق برؤية الكاتب وتصوره لماهية السرد. والعيسى، في روايته، أثبت أنه حكّاء بارع، يحق له أن يستثمر قدراته الإبداعية في إبهار المتلقي، الذي لن يُعدم المتعة الأصيلة والمتوفرة في تسلسل الأحداث اللانهائي، ورسم الشخصيات والعلاقات بينها، وترابط الزمان والمكان ومنطقية تنقلاتهما.
يجيد العيسى لعبتي التوازي والثنائيات؛ فالرواية عبارة عن فصلين كبيرين متوازيين إلى حد بعيد، معنونين بـ”القوّاد” و”الدجّال”، يتخللهما كمّ هائل من الثنائيات المنطقية التي تجمع بين الخير والشر، الفقر والغنى، الموت والحياة، التشييد والهدم، العفة والعهر، القوة والضعف، البر والعقوق. ولو أردت ألا أتوقف عن ذكر الثنائيات التي تحتملها الرواية لفعلت، لكن حسبي هنا لفت النظر إلى براعة وقدرة الكاتب على صوغ هذه الثنائيات، وتمكنه من خلق التقاطعات بينها داخل حكاية “مايك الشرقي” أو “غريب الحصو”، المتفرد بالبطولة، والذي نال هو أيضًا نصيبه من الثنائية والتوازي، إذ يصر الروائي على جعلهما المكوّنين الرئيسين للعمل. وهذا الولع بالثنائيات يحيلنا إلى ولع آخر لدى الكاتب بالمنطق الرياضي، الذي أضفى على العمل فرادة، وكان – في تصوري الشخصي – منبت الجِدّة في عمله الروائي.
فبخلاف التوازي واستثمار ثيمة الثنائيات، يعجّ العمل بالمكوّنات الرياضية، ابتداءً من مبادئ الاقتصاد الرأسمالي غير الأخلاقي، الذي يسهم في صناعة حكاية بطل الرواية “مايك الشرقي” ومملكته، ومرورًا بآليات إدارة الشركات الكبرى في استغلال الفرص الاستثمارية التي تحفّها الشبهات من كل الجهات، وانتهاءً بالرصد الهندسي الدقيق في صوغ الحكاية، الذي ينتهي، في أحيان كثيرة، إلى رصد عدد الخطوات والأذرع والسنتيمترات. وقد أضفت هذه الصفة، المعتمدة على الحساب الرياضي، على العمل السردي نوعًا من الإيهام بالدقة، وهذا الأسلوب لا نلمحه كثيرًا في الروايات العربية، فضلًا عن كونه مستمرًا من بداية الرواية وحتى فصولها الأخيرة، ما يشي بهوس الكاتب بالتكوينات الرياضية ولغة الأرقام، القائمة، في بعدها العميق، على حتمية النتائج ومنطقيتها.
وجميع ذلك، في مؤدّاه، يخدم فكرة وبيان الرواية الأخير، الذي يعبّر عن جاهزية هذا العالم واستعداده المنطقي لظهور نبوءة المسيح الدجّال. وعلى أن هذا البيان أيديولوجي تمامًا وقائم على فكرة دينية، إلا أن الكاتب مهّد له بفصول كثيرة تتجاوز ثلثي الرواية، التي تجاوزت صفحاتها الأربعمئة صفحة. ومن خلال هذا التمهيد الطويل جدًا، قدّم كل ما يمكن من الحجج المنطقية التي تؤيد الفكرة الأيديولوجية التي يحتشد فيها العالم ناحية “المئذنة البيضاء”، إيذانًا بخروج المسيح عيسى عليه السلام، والذي يسبقه ظهور المسيح الدجّال، الذي يمثله في الرواية “مايك الشرقي”. وهذا ما يبرر عنونة الرواية بـ”المئذنة البيضاء”، وعنونة الفصل الأخير بـ”الملحمة الكبرى”، حيث تبلغ منطقية الرواية تمامها بظهور المسيح الدجّال، أو المعادل المقترح له وهو “مايك الشرقي”، العميل المزدوج لدى الرب والشيطان في الوقت نفسه، من وجهة نظر الكاتب وبحسب تعبيره. ويكون ذلك في صباح الجمعة ٢٠ تموز ٢٠٢٠، وكأن الكاتب يريد أن يفترض شكل المسيح الدجّال من خلال معطيات هذا العصر، الذي لم تمرّ على البشرية حقبة بحجم فساده وتضعضعه وتحكّم الأشرار به.
ولعل الناظر إلى خطاب الرواية العام يقلّل، أو تصيبه الريبة، بشأن موضوع الرواية، وفي ذلك قدر كبير من الحق؛ لأن هذا النوع من الخطابات، رغم أنه صالح فنيًا للبيئة الروائية من حيث إنتاج حكاية مرتبطة ارتباطًا قويًا بالبنى الأيديولوجية لإنسان المنطقة، وبالجغرافيا الذهنية المرتبطة بالنسيج الأسطوري، إلا أنه مسبوق من جهة خطابات الجماعات الإسلامية الواقعية والبعيدة عن مفهوم التخييل. وأنا شخصيًا تذكّرت موجة كتب مشايخ الدين التي بشّرت، من غير جهة، بقرب ظهور المسيح الدجّال. ولأكون منصفًا، فقد أحسن العيسى معالجة الموضوع فنيًا، بل أدخله في منطقة الإبهار، إلا أن في النفس شيئًا من المادة الأولية للعمل، خاصة في بيانه النهائي الذي يحدد لحظة ظهور الدجّال على هذا الوجه من الدقة. وكنت سأتسامح مع الفكرة لو أنها أُخذت على وجه من السخرية مثلًا، أو تناولت الموضوع من جهة فلسفية لها فرادتها وتميزها، أو قدّمت مقترحًا مضادًا للسائد، لكن الكاتب لم يفعل ذلك. وليته أجهد نفسه، ولو قليلًا، في مراجعة الموضوع، وحاول تقديمه من جهة جديدة وغير تقليدية. ولا أعلم كيف فاته هذا، رغم ارتفاع سقف حرية العمل، واقتحامه لجميع أنواع المقدسات الدينية والسياسية والجنسية؛ لهذا، وعندما تكون نقيصة العمل الروائي في الموضوع والخطاب الرئيس، قد يكون ذلك بمثابة صدمة كبيرة للمتلقي، خاصة – كما أسلفت – عندما يكون العمل على هذا القدر من البراعة والتماسك الفني.
