لم أقرأ روايته “الجمال جرح”، لكني متيقن من جمال وذكاء القلم الروائي لهذا إيكا كورنياوان، لأنني حين أنهيت روايته “الرجل النمرة” أدركت فورًا أنها ليست رواية رائعة فقط، بل رائعة وجميلة كما ينبغي للرواية أن تكون. وهي، بالمناسبة، صادرة – حديثًا – عن الكتب خان (٢٠٢٢)، الدار ذات الإصدارات المتميزة دائمًا، بترجمة الشاعر الجميل أحمد شافعي. إنها رواية لا ينقصها شيء، ومن تلك الروايات التي تجعلني أنسى ما أنا بصدده، ولولا الالتماعات الفنية الخفيفة التي جعلتني أقول “الله” بصوت مسموع أثناء القراءة، لنسيت كنه هذا الشيء الذي بين يدي. ولعل هذا هو سحر السرد عندما يكون مكتوبًا كما ينبغي للسرد أن يُكتب؛ فبفصول الرواية الخمسة متوسطة الطول، يسير السرد بخفة ورشاقة يمكن للقارئ أن يشعر معها بالوثب داخل الحكاية.
ثم من قال إن الحكاية ليست ذات بال في السرد الحديث؟ أعتقد أن الحكاية الجيدة، بل الممتازة، عماد تكويني أصيل في السرد الروائي، ولا يمكن أن يتقهقر أو ينزوي. صحيح أنها ليست كل شيء (أعني الحكاية)، لكن احتكامًا إلى مستوى جمال الحكاية، فالحكاية الرائعة تأسرني شخصيًا، وتجعلني أغفر – مرغَمًا – لوعيي المخدَّر؛ أغفر ليس للكاتب فقط، بل لنفسي ولاستمتاعها العفوي. ولعل هذا ما يصنعه جمال السرد فينا عندما يكون على هذا المستوى من الإحكام والإتقان والإمتاع.
ومعلوم أن هذا الفعل ليس يسيرًا أبدًا؛ ففي داخله معرفة مزدوجة غير منفصلة عن الفن والحياة. ومثل هذا العمل لا يمكن أن يكتبه من يكتب الرواية من داخل فن الرواية فحسب، أعني من خلال تقنياتها وتحريك عناصرها السردية فقط، ولا يكتبه حكّاء بسيط ينسج الحكاية في لحظة سهو عن وعيه الفني، لا، على الإطلاق. فهذا الكاتب فعلها من خلال وعي مركب ومعقد، يدمج بين معرفة فنية ومعرفة إنسانية؛ فالأسطورة لديه – أسطورة النمرة – ليست موجودة في العمل على سبيل التوظيف السطحي، وليست منقولة كما هي في حكايات الجدّات، بل هي مزيج مركب معدَّل ومعقد، بل وبالغ التعقيد. وهو لا يظهر مباشرة في المكتوب، بل يشعر به المتلقي من خلال الالتماعات الفنية بالغة الرهافة والدقة، وهي حين تأتي كالتماعات فنية تشي بأن الكاتب أخذ من الأسطورة ما يريده منها داخل حكايته، ابتداءً من العنوان، وانتهاءً بإغلاق الرواية.
وقد قرأنا كثيرًا من الأعمال التي توظف الأسطورة، لكنها، في الغالب، تحوّل تلك الأعمال إلى أعمال أسطورية بحد ذاتها؛ بمعنى أننا لو أسقطنا الأسطورة لسقط العمل. هنا، في “الرجل النمرة”، الأمر مختلف؛ فالحكاية قائمة بذاتها، خارجة عن التكوين الأسطوري، وموغلة في واقعيتها، تشبه حياة الناس في ذلك المكان (إندونيسيا)، وتعطي تصورًا دقيقًا لطريقة عيشهم، اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا، بينما تأتي الأسطورة في العمل كنوع من الحمولة المضافة، كاستدعاء ضروري جدًا يمنح، بالإضافة إلى الخصوصية الإنسانية لبشر ذلك المكان، سلطةً قلّما نجدها في أعمال أخرى، وهي سلطة الإقناع. ومن هنا، فالأسطورة في العمل ليست من قبيل الترف ولا الاستعراض الفني، وهذا ما أقصده بالتعقيد والتركيب، أو هكذا فهمته على الأقل.
سعيد حقًا بهذه الرواية، وبوجود مثل هذا العمل الفذ؛ فمنه نتعلم الكثير، نرى ونسمع ونشعر. فمثل هذا العمل يحرك فينا أسئلة حول اليقين، الذي يهتز ويتزعزع كثيرًا من جدوى الفن ذاته.
وفيما يخص الترجمة، فالمعروف لا يُعرَّف، والجميل هو من يزداد جمالًا عملًا بعد عمل، وهذا ما عليه أعمال أحمد شافعي، مترجم العمل، الذي يعلمنا هو الآخر درسًا في الإتقان والجمال اللغوي، فيضيف جمالًا على جمال، وقيمة إلى قيمة. وسعيد بأنني، في يوم من الأيام، سأعيد الكرة مع عمل آخر يجمع الكاتب الفذ والمترجم الرائع، وهذا لدي بمثابة رصيد عظيم يمكن العودة إليه في أحلك الأوقات وأشدها وطأة.
