تعتمد رواية “أم ميمي” لبلال فضل، الصادرة عام 2021 عن دار المدى، على استثمار الخفّة والرشاقة بوصفهما مكوّنين أساسيين يتمظهران في جميع عناصر العمل. فإذا سلطنا الضوء على المكوّنات الأيقونية (العتبات غير النصية)، سنلحظ الخفّة بادية في عنوان الرواية وغلافها، وعناوين فصولها، وكذلك في تصديرها الذي يحاول إثبات الوجود من خلال النفي الساخر، والموجّه مباشرة إلى القارئ، الذي يعتمد فضل—في مواضع كثيرة—على ذكائه وتفاعله المفترض. ومن هنا نتنبه إلى استمرارية “نظام الخفّة”—إن صح التعبير—في ثنايا السرد ذاته، أي في بنيته النصية.
الحكاية قائمة على النمط الإخباري الذي يتوالد باستمرار، ويصنع—بمجمله—بنية سردية لا تخلو من إمتاع. ومناط هذا الإمتاع قائم على فرضية الأسئلة التي سيفترضها القارئ، من قبيل: «ماذا سيحصل؟». وهذه الفرضية—على الرغم من طابعها التشويقي—تبدو متجاوزة في سياق الرواية الحديثة. ولا غرابة في وقوع الكاتب في هذا المنزلق، ربما بسبب خلفيته السينمائية التي تعتمد على عنصر التشويق، والتي أخلص لها في هذه الرواية—الأولى له—إخلاصًا واضحًا. والمتابع لإسهامات بلال فضل السينمائية، وآرائه في هذا المجال، يدرك أنه لا ينتمي إلى السينما المستقلة التي تتقاطع مع السرديات الحديثة، بل يتموضع—في الغالب—في منطقة وسطى بين السينما التجارية والسينما الجادة. ومن هنا، فإن قراءة مقترحه الروائي ينبغي أن تمر عبر مشروعه الكلي، ما لم يفاجئنا العمل الروائي ذاته، وهو ما لم يحدث.
فرواية “أم ميمي” تبدو امتدادًا طبيعيًا لمقترحات بلال فضل السينمائية، وهي مقترحات لا أفضّلها شخصيًا، وأتعامل معها بنوع من الخفّة، تمامًا كما هو حالها. فواقع الرواية لا يخرج—في مجمله—عن هذا المستوى من الخفّة، التي تمتلك حضورًا راسخًا ومقبولًا في السينما، لكنها داخل الحقل الروائي تبدو منبتّة. وإذا كان لها قبول، فسيكون—غالبًا—من جهة التلقي الشعبوي، الذي يتعامل مع الفن الروائي بنوع من التسامح الواسع. ولا يعني هذا مهاجمة العمل أو الدعوة إلى نخبويّة الفن الروائي، بل التنبيه إلى موقعه خارج السياق الأدبي، أو على تخومه—إن تسامحنا. وإذا كنا قد تساءلنا من قبل عن بعض أعمال خيري شلبي، وعرضناها على مختبر الرواية الحديثة، فوجدناها مجرد حكايات ممتعة، فمن باب أولى أن نطرح “أم ميمي” أمام السؤال ذاته.
إن هذا النمط الروائي، القائم على الخفّة—سواء في الموضوع أم في اللغة الصحافية الإخبارية—والمشحون بالمفارقات اللغوية الفجّة، وبإيهام اختراق التابو عبر حوارات الشارع السوقية، لا يعدو كونه مدونة تسجيلية لواقع مأزوم قيميًا وأخلاقيًا. وسؤال الرواية الحديثة بعيد عن هذا النمط التسجيلي؛ إذ لا يقوم على نقل الواقع بأمانة، بل على الحوارية الممكنة بين الكاتب والواقع. ومن خلال هذه الحوارية نشأت النظرة البحثية المعمقة في الرواية الحديثة. وقد أشار إميل زولا مبكرًا إلى أن العمل السردي الحديث تخفف من مركزية “الموهبة الحكائية”، لصالح المقاربة البحثية القائمة على الاختبار والتجريب، سواء في الشكل أو في بناء الشخصيات. وهذا ما مهّد لاحقًا لصعود قيمة التجريب، مقابل تراجع الاهتمام بالإمتاع التقليدي.
إن ما يمنح الرواية الحديثة خصوصيتها هو ابتعادها عن الأنماط الجاهزة. فالمتلقي اليوم لا يبحث عن نسخة مطابقة لإنسان الشارع داخل النص، بل عن إمكانية رؤية ذاته عبر شخصيات العمل أو عبر زوايا وجودها. وهذا هو جوهر التلقي الفعّال. غير أن نظرة بلال فضل للمتلقي—في تقديري—تنطوي على خلط واضح؛ إذ يبدو المتلقي، من خلال الخطاب المباشر الموجّه إليه، متلقيًا سلبيًا، موقعه الاستماع إلى حكايات غرائبية دون مشاركة فعلية في تأويلها. وهنا يبرز سؤال: ما جدوى الخطاب المباشر للمتلقي داخل النص؟ فالتقنيات السردية لا توظّف عبثًا، بل لوظيفة محددة. فما الفائدة من تكرار عبارات من قبيل: «لا أريد الإطالة عليك»؟ في حين أن قارئ الرواية—بطبيعته—لا ينفر من الإطالة إذا كانت مجزية. ومن هنا يبدو أن الكاتب وقع في فخّ توظيف تقنيات جاهزة دون مساءلة وظيفتها، وهو ما يعكس خللًا في الوعي السردي.
أخيرًا، يمكن تلخيص هذه القراءة في نقطتين:
الأولى، أن العمل يستثمر خصائص سينمائية بوضوح، لكنه يبالغ في تقديمها، إلى حدّ يجعل الرواية أقرب إلى سيناريو ممتد، بدل أن تكون نصًا روائيًا يوظّف السينما ضمن بنيته.
أما الثانية، فهي أن العمل الروائي—لكي يكتسب قيمته—ينبغي أن ينشغل بأسئلة الرواية ذاتها، لا بأسئلة أجناس أخرى. وما نجده في “أم ميمي” يمكن أن يتحقق—بسهولة—في المقالات الاجتماعية الساخرة أو التحقيقات الصحافية المطوّلة. فالسخرية—على أهميتها—تحتاج إلى مقترح روائي ناضج، لا أن تتحول إلى غاية في ذاتها. وهنا تنزلق الرواية—في تقديري—إلى منطقة حكائية سطحية، لا تحمل من الحوارية إلا قشورها، لتصبح أقرب إلى عرض مباشر للقبح، بدل أن تكون مساءلة جمالية له.
