يدّعي كثير من كتّاب ومنظّري الرواية التاريخية أنها إعادة لكتابة التاريخ من وجهة نظر غير المنتصرين، فقد سمعت وقرأت لغير واحد منهم قوله إن الرواية التاريخية هي صوت المهزومين، وفضلًا عن القول بأن الرواية، بوصفها فنًا، قد ولدت أساسًا من رحم التاريخ، على اعتبار أن كل رواية هي تاريخ بشكل من الأشكال، فإن هذا الادعاء فيه شيء من المغالطة؛ إذ إن الحاصل أن معظم من كتب الرواية التاريخية ضمن هذا الفهم، تجاهل أو لم ينتبه إلى أن الكتابة في كل زمن خاضعة لسلطة منتصر جديد؛ أي إن ما يظنه كاتب الرواية التاريخية انحيازًا لصوت المهزومين، واقع بالضرورة تحت سلطة المنتصر في هذه اللحظة التاريخية. هذا إذا ما استثنينا بعض النفحات التي تناولت المسكوت عنه تاريخيًا، ولو دققنا في الأمر لوجدنا هذا الاستثناء حاصلًا لدى بعض كتّاب التاريخ أنفسهم، أقصد كتابته باعتباره تسجيلًا لوقائع حصلت بالفعل، لا باعتباره متخيلًا سرديًا.
وقد يسأل سائل: ما الذي سيتبقى إذن من أهمية للرواية التاريخية إذا أخرجناها من حيز هذا الادعاء الطوباوي؟ وهنا أود لفت الانتباه إلى جانب الاستمتاع والاستئناس الحاصلين من كتابة وقراءة الرواية التاريخية، فسؤال الأهمية والفائدة ليس منحصراً في تحقيق وهم العدالة المفترض من لدن بعض كتّاب الرواية التاريخية، بل هناك فوائد جمالية وفنية متحققة من التلاعب بالأحداث التاريخية، وافتراض رؤية حديثة لها. فمجرد افتراض أو تغيير طفيف في حدث مستقر في الوجدان العام، فيه نوع من المغامرة اللذيذة، وإذا ما كان الكاتب موهوبًا وواعيًا للحظته الآنية، فسيعرف أين وكيف يغيّر في الحدث التاريخي، جاعلًا منه مادة حديثة وقابلة للتعاطي والتقاطع مع ما حصل وما هو حاصل الآن، بحيث يستحضر الحدث التاريخي لا بوصفه واقعًا، بل بوصفه مادة غنية بالدلالات والقيم. وهذا ما وجدته، وسأحاول مقاربته، في الرواية البديعة «رسم العدم: قصة ليوناردو فيبوناتشي مع الصفر والأرقام العربية» لأشرف فقيه، الصادرة عن منشورات تكوين سنة 2020.
أولًا، وقبل كل شيء، أود الإشارة إلى العبقرية في التقاط المنطقة والحدث التاريخي الذي اشتغل فيه أشرف فقيه، وهو التقاط محصور في شخصية ليوناردو فيبوناتشي. ومنشأ العبقرية في اختيار هذه الشخصية التاريخية، التي تحولت على يده إلى شخصية روائية، وارتباطها الوثيق بعنصر ملغز من عناصر فلسفة الجمال، وهو الجمال العددي، ومنه النسبة الذهبية التي اعتبرها كثير من الفلاسفة سرًا من أسرار الجمال المودع في الكون. وكأنه بهذا الاختيار نقل الرواية التاريخية من منطقة التصارع بين المنتصر والمهزوم إلى منطقة الجمال العددي وأسراره الكامنة، فحوّل بذلك النظرة من القبح إلى الجمال، وهذا بطبيعة الحال أدعى إلى الاستمتاع الأخلاقي الذي لا يخلو من قيم معرفية، كما أنه لا يخلو من تقاطع بين الواقع والتاريخ، إذ إن هذه اللحظة التاريخية شكّلت ما يشبه منطقة التسليم المعرفي بين الحضارة العربية والحضارة الغربية، أي بين القيمة المعرفية السابقة والقيمة المعرفية الحالية.
هذا من حيث الالتقاط المبدئي للحيز الروائي، أما من حيث الاشتغال السردي، فسنجد، وبكل تجرد، أن أشرف فقيه أولى العمل جدية عظيمة، فلم يهمل أي عنصر من عناصر التكوين السردي، من اهتمام بالمكان والزمان، وهذان المكونان، بالإضافة إلى المكون اللغوي، لهما أهمية مضاعفة في الرواية التاريخية. ويرجع ذلك إلى أن الكاتب لديه حدود معينة يتحرك ضمنها، وهذه الحدود مرسومة سلفًا من خلال المدونة التاريخية، فمخيال الروائي هنا غير منفلت تمامًا، ويتطلب جهدًا تركيبيًا، وفي هذه المناطق يبرز العمل الروائي التاريخي عن غيره في ذات الحقل. وقد اتضح مقدار براعة الكاتب وجهده في تشكيل هذين المكونين، من ناحية التوصيف للمكان وانتقالات الزمن.
أما ما يخص اللغة الروائية، فنجد أن الكاتب قد جعلها تسير في مستويين؛ أحدهما يميل إلى اللغة التاريخية المستحضرة عمدًا في الحوارات بين الشخصيات، وهذا مبرر بالمادة التاريخية التي اشتغل عليها العمل، والمستوى الثاني يعبر عن اللغة المتوسطة التي تقع في حيز التوسط بين السهل المفهوم والرصين. وقد ظهر هذا المستوى اللغوي في صوت السارد، الصوت الذي يستعيره الكاتب ليعبر عن الخطاب الروائي، والتفاوت بين المستويين، الأول في الحوارات والثاني في صوت السارد، فيه توازن جمالي معقول، لا يشعر معه المتلقي بشيء من التباين. وهذا الفعل، رغم اختفائه داخل المتن، إلا أنه شديد الأهمية بطبيعة الحال، لأنه يعبر عن المادة الأولية للعمل الروائي، وقد اهتم به الكاتب وأولاه أقصى عنايته، وهو بهذا يعلي كعب العمل، ولا أعتقد أن ذلك بالأمر اليسير، إذ لا بد فيه من إعمال ثنائية المحو والإضافة، التي بهما يبلغ العمل الروائي منتهاه من السبك والجودة، فيحيله إلى عمل يتمتع بالأصالة رغم حداثته.
ولا تتوقف جودة العمل عند حدود المتن الروائي، بل تتعداه إلى منطقة العتبات النصية المتمثلة في العنوان الرئيس، والعنوان الفرعي، والاستهلالات، والعناوين الداخلية، بل ونلمح العناية أيضًا في العتبات غير النصية (الأيقونية)، التي تبدأ من غلافي الرواية الأمامي والخلفي، ومن ثم تشكيلات الفضاء النصي داخل المتن. وهذا، وإن لم يكن من عمل الكاتب وحده، إذ يشاركه فيه الناشر بالاتفاق، إلا أن له أهمية في الدراسات النقدية الحديثة، التي توليه بالغ العناية والانتباه، فلا وجود لشيء محايد في المنتج الروائي؛ لأن كل مكوّن نصي متعلق بنظام جماعي، مرتبط بالأفكار التي تشيد المشهد الثقافي للمرحلة. فمن صفحة الغلاف الأولى التي تحمل العنوان واسم المؤلف والناشر، وصولًا إلى الصفحة الأخيرة من الغلاف، نجد في كل هذه العتبات المحيطة بالنص متواليات رمزية تشكل ملفوظات بصرية غنية، وخطابات مصغرة حول عالم العمل الروائي وحكايته. وهذا كله تمت مراعاته في رواية «رسم العدم»، مما جعلها رواية تتسم بالجودة فنيًا وجماليًا، وكل ذلك، بطبيعة الحال، يعود بالفائدة على تلقي العمل بالشكل الإيجابي، إتمامًا للعملية الإبداعية.
