لو سألنا أي مشتغل بالسرد حول رواية السيرة أو الاعترافات، وكيف يستطيع الجزم بها وتحديدها، لأخبرنا حتمًا عن أولوية طريقة السرد المستخدمة في المتن، من تقديم ضمير المتكلم إلى ضرورة التداعي النفسي، أو عن نسبة المادي إلى العقلي؛ أي نسبة الأحداث والأشخاص مقابل الأفكار والمشاعر، أو عن مقدار عوامل أخرى في النص، من قوة الذاكرة وأمانتها، وصدق الكاتب وصراحته في الكشف عن الذات الكاتبة. وسيكون هذا واقعيًا من حيث التنظير المبدئي، لكن أمام نص روائي لمعلم كبير مثل محمد عبد النبي، في روايته البديعة “كل يوم تقريبًا”، الصادرة عن دار المحروسة سنة 2023، يصبح الأمر مختلفًا تمامًا، بل في غاية الاختلاف، فلا يمكن أن نضبط نصه الروائي من خلال النظرة النقدية السالفة.
فالكاتب، بوصفه مدربًا للسرد، وصاحب نظريات ومؤلفات خاصة في هذا الحقل، لم يكن ليسلم القارئ إلى المقدار المعقول من السهولة، فلا بد أنه سيلعب بعض الألعاب السردية.
ربما اعتقدنا، قبل الدخول إلى عمق النص الروائي، أن عبد النبي سيذهب إلى التعقيد السردي المعتمد على التجريب، أو إلى التطرف ومحاولة ابتكار صيغة سردية جديدة، والحق غير ذلك، فالكاتب استخدم صيغة سهلة ممتنعة، ربما تكون مطروقة سلفًا، لديه في أعمال سابقة، ولدى آخرين، وهي الاعتماد على شبح الكاتب، الذي استطاع من خلاله أن يبرر وجود الراوي العليم، كعنصر يبدو كلاسيكيًا في بداية الأمر، لكنه يتكشف بعد ذلك عن بعد سردي حديث ومراوغ.
ولكي يثبت قدرًا من الأمانة والصدق، منح هذا الشبح وجودًا مميزًا من بين أشباحه الأخرى، وتحديدًا الشبح رقم ستة؛ شبح الكلمات والحكي وتلقي التقدير والجوائز، مما يشي بوجود أشباح متعددة، وأعطاه كذلك وثيقة يعتمد عليها، هي يوميات الكاتب (البطل). وعلى هذا النحو خلق الكاتب مسافة بينه وبين أحداث العمل السردي، من خلال وضع السارد في الوسط، ومساحة شبحية أخرى موازية بين السارد والمتلقي.
هكذا، وبكل سهولة وعبقرية، جعل من النص نصًا روائيًا لا سيريًا، وجعل من اليوميات مادة تبعده عن الاعترافات. وقد يبدو هذا التأسيس يسيرًا في الوهلة الأولى، لكنه، مع التوازن العظيم الذي حافظ عليه طوال العمل، جعل من الرواية تحفة سردية قل مثيلها، في بساطتها، وتدفق سردها، وعدم غرقها في النوستالجيا التي تشكل عجينة العمل ومادته الأولية.
وفي أعطاف هذا السرد المحكي عبر الراوي العليم، والمبرر بوجود اليوميات في يد شبح الكاتب كما أسلفنا، سمح الكاتب لنفسه بالدخول إلى صلب العمل، من خلال اقتباسات الشبح الكثيرة والضرورية من تلك اليوميات، مما جعلنا أمام الكاتب، بطل الحكاية، مباشرة. فنجده يثبت رسائله المغرقة في الشفافية، وبعض اقتباساته الشعرية التي أثرت في مسيرته ككاتب وإنسان حقيقي لا تخييلي، واعتبرها موجهة إليه، أو معبرة عنه خير تعبير.
وهكذا صار للتعبير الفكري والخطابي مبرر سردي أيضًا، مما سمح للكاتب بالبوح بكل شيء تقريبًا. وحين نقول كل شيء، فإننا نعني ما لا يمكن للكاتب في العادة قوله بكل أمانة، وبصيغة مباشرة قد توقعه في مغبة السؤال الأخلاقي. ونقصد بذلك تحديدًا المغامرات الجسدية المثلية، وخلجات النفس المتطرفة تجاه الأهل والأصدقاء والعالم.
فلولا هذه الصيغة السردية الماكرة، لسقط النص في براثن المباشرة والتباهي بالفضائحي، وتحول العمل من كونه نصًا روائيًا واعدًا إلى مجرد اعترافات، لا قيمة لها خارج حدود السيرة الذاتية، التي قد يضج بها كثير من القراء ممن لا يحبون ولا يبجلون فكرة التباهي بالحياة الماجنة، التي لا يبدو الكاتب نفسه مرتاحًا إليها في أجزاء كثيرة من حكايته.
مما سبق يتضح أن السرد في الرواية لعب دور البطولة، فبدون هذه الصيغة السردية لم يكن ممكنًا، في تصوري على الأقل، أن يذهب العمل إلى مساحة المقترح الروائي، وإن كان معتمدًا في الأساس على السيرة الذاتية لكاتبه، الذي يبدو أنه أراد لعمله، منذ البداية، أن يكون عملًا روائيًا لا سيريًا. وأكبر دليل على ذلك تعمده إخفاء ذاته خلف الاسم المستعار “فؤاد عبد الرسول”، وربما أسماء أفراد عائلته وأصدقائه، بل إنه أثبت عقدًا مكتوبًا، لا ضمنيًا، في تضاعيف العمل يثبت هذه الرغبة: “لا مفر من الإشارة إلى معلومة بديهية، وإن غابت أحيانًا عن كثيرين، وهي أن فؤاد ليس شخصًا حقيقيًا، هكذا بكل بساطة. وعلى الرغم من هذا، فسوف نبذل، من جانبنا، غاية جهدنا، ليبدو حقيقيًا، وموجودًا بالفعل في مكان وزمان محددين خارج مصفوفة هذه السطور، حيث يلتقي أشباح الكتَّاب بأشباح القرَّاء”.
عطفًا على ذلك، يمكننا القول إننا أمام عمل سيري، أراد كاتبه ألا يقدمه بهذه الصيغة، بل أراد أن يحدد نوع تعاطي القراء معه، بوصفه رواية تخييلية، أولًا من خلال اختيار الصيغة السردية، المكونة من راوٍ عليم، هو شبح الكتابة رقم ستة، وتدخلات الكاتب نفسه من خلال مقتبسات من يومياته، التي ضاع شطر منها، أو سُرق كما يدعي. وقد يكون ذلك حقيقيًا بالفعل، أو مجرد أكذوبة أراد الكاتب من خلالها إسقاط شطر من حياة البطل، أو لعلها جاءت نوعًا من التسريع السردي، من أجل ألا يطول العمل أكثر من اللازم، ولا يمكننا تحديد ذلك بطبيعة الحال، لكن كل شيء وارد تقريبًا.
ومن الأمور التي تجعلني أقبل العمل على أنه رواية لا سيرة أو اعترافات، سؤالا العمل، اللذان يتمحوران حول قضيتين بارزتين، تتشعبان داخل المتن، هما سؤال الهوية –رغم سخرية الكاتب منه– وسؤال الكتابة. وهذان السؤالان، وإن بدوا بسيطين، ويمكن توقعهما في أي عمل روائي، إلا أنهما في رواية “كل يوم تقريبًا” يظهران بالمستوى الضاغط على الكاتب.
فطوال العمل، لا ينفك عبد النبي يحيل إلى ذاته المرتبكة والمعقدة جدًا، والتي لا يبدو أنه راضٍ عنها أو عليها. فمرة يصف نفسه بالأمير الذي ولد في المكان الخطأ، ثم يتراجع عن هذه المنزلة الطبقية، ويحاول أن يرضى بواقعه المطحون، كواحد من ملايين البسطاء في هذا العالم. ومرة يشعرنا بارتباكاته الجنسية وميوله المثلية، ولعل هذا الارتباك هو أعلى تجليات سؤال الهوية داخل العمل، لأننا نجده يطل علينا به بكل الصيغ الممكنة؛ مرة بالقبول، وأخرى بالرفض، وثالثة في منزلة بين المنزلتين.
وكأن سؤال الهوية هذا هو السؤال المحوري والأساسي للعمل، والتفاصيل المحيطة به لا تكاد تكون سوى تفاصيل افترضها فعل الكتابة. وأزعم أن العمل سيميل إلى السطحية والخفة إذا ما فكر الكاتب في التخلي عنه، بسبب حساسيته الاجتماعية. ولا شك أن هذا سؤال روائي بامتياز، وقد جربه عبد النبي سلفًا في روايته ذائعة الصيت “في غرفة العنكبوت”.
وسؤال الهوية هذا هو الذي أنفذنا، قطعًا، إلى سؤال الكتابة، الفعل المنقذ، الذي انتهى العمل بالاطمئنان إليه، وجعل من سؤال الكتابة ملاذه الأخير. وربما لهذا السبب اختار صيغة شبح الكاتب من الأساس، فكل فرح بالوجود ينتمي، بشكل أو بآخر، إلى هذه الذات الكاتبة، التي كانت تأنف وتشمئز من الوقوع في مأزق الشتات والتضعضع والتشرد، الذي حدث لصديقه الحقيقي محمود، والذي أصبح يراه في صورة كل متشرد.
فسؤال الكتابة هو الذي خلص فؤاد من الوقوع في بورتريه الإنسان المقهور والمطحون داخل حياة السكر والتيه، وربما الدروشة. فرغم أن فؤاد كان لديه ذلك الاستعداد الفطري البسيط لحياة التيه، سواء من خلال بطاقة الدعوة إلى لجنة المجون الغرائبية، أو من خلال ميله إلى القلعة، التي يستيقظ منها دائمًا وقد استحالت إلى زنزانة، ومع كل ذلك الجنوح إلى نبذ الأقنعة، نجده في الفصل الأخير من الرواية يقول: “كانت الكتابة دائمًا قطعة اليابسة الصغيرة والوحيدة، وسط عالم من موج وزبد، بلا نهاية، مرفأ مؤقت. غمزة عين نحو المجهول. تلويحة يد لإنسان لم يعد موجودًا أو لم يوجد بعد. مقايضة حياتك بعلبة مغلقة، لا تدري ما فيها، تكتشف مع الوقت أن العلبة فارغة، ولا معنى لتخمين ما قد تحتويه، ولا ضرورة لإعادة غلقها وفتحها مرة بعد مرة؛ فالعلبة ستظل كما هي، العلبة نفسها هي الهدية، انظر، ما أجملها”.
وهكذا تظل الكتابة هي الملاذ الوحيد الذي تحقق لفؤاد عبره معنى وجوده المتكرر. فما تلك العلبة التي تُفتح وتُغلق بشكل لا نهائي إلا الكتابة، يعود إليها ويرعاها تمامًا كما يرعى أمه وقططه بكل رضا ومحبة.
ولأن الملاذ لا يأتي إلا من خلال الألم، فهو على وعي بآلام الكتابة وويلاتها، ومع ذلك يبدي ارتياحه لويلاتها، وكأنها الحبل الذي ما إن يهرب من قيده حتى يعود إليه، مكبلًا ذاته به مرة تلو الأخرى:
“كأنهما اثنان في داخل هذا الجسد، يخرج أحدهما، هو الفارس والمغامر، في مهام عاجلة وسرية، لصالح الآخر، الكاتب والمدون، القابع في ركن غرفته يصارع الأفكار والكلمات، ريثما يرجع صاحبه من مغامراته الجديدة، يرجع حاملًا بين يديه حزمة ملفوفة جيدًا، ويسلمها إلى سيده بكل حرص، وهو مدمى اليدين ودامع العينين وجسده ينتفض مرتجفًا. حزمة دافئة لا تزال تنفث دخان الخبرة الحية، وتكاد تسيل منها حلاوة المعجزة، يتلقفها الكاتب كأنها ماء المحاياة الذي لولاه لمات عطشًا، بينما يرتمي المغامر هالكًا على الفراش. بماذا يحلم؟ يتمنى الكاتب لو يعرف، يريد أن يستولي حتى على أحلامه، لو استطاع”.
وقد استطاع تقريبًا!
