ندم الأمومة في رواية “استغماية”

 

قدمت كاميليا حسين، في روايتها الأولى «استغماية»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية سنة 2023، نموذجًا سرديًا موجعًا لما يمكن تسميته بندم الأمومة. فعلت ذلك من خلال نوفيلا ذاتية تتميز بالقصر غير المخل، ودون الذهاب بالنص ناحية التطرف النسوي للموضوع، مما منح السرد بعدًا وجوديًا فلسفيًا، لا فكريًا خطابيًا.

 

لا يعتمد النص على حكاية مركزية، بل يعتمد على التداعي الذاتي الحر والمستمر للعلاقات الأسرية، المنتقلة من أسرة البطلة في طفولتها (الأب/الأم)، إلى أسرتها الأخرى بعد زواجها (الزوج/الابنة)، في ربط ذكي عبر ثيمة الاختباء التي يحيل إليها عنوان الرواية «استغماية». وهي إحالة تعطي، رغم خفتها واعتمادها على كلمة عامية، قيمة فنية وموضوعية مهمة يرتكز العمل عليها، ليحدد طبيعة هذا الندم الأمومي، وكأن منشأ هذا الندم هو الخوف والقلق العائلي، لا اللاجدوى.

 

يبدأ هذا القلق بالخوف من العقوق تجاه الأب المريض، وينتهي بالخوف من عدم القدرة على الوفاء بدور الأم تجاه الابنة المقبلة على الحياة، ولهذا كانت ثيمة الاختباء مضبوطة على الفكرة تمامًا، أكثر من قيمة الاختفاء النهائي، سواء بالتخلي أو الانتحار.

 

كان من الممكن أن يذهب العمل إلى مناطق الشكوى الاجتماعية السطحية والمضجرة، لولا مقدرة الكاتبة ومعرفتها بأسرار وخبايا السرد الروائي، تحديدًا حين اخترعت فكرة النافذة التي تتلصص منها البطلة على جيرانها، النافذة التي يتضح، مع التقدم في السرد، أنها عبارة عن مرآة تعكس حياة مطابقة لحياة البطلة وأفراد أسرتها الصغيرة (امرأة، وابنة، وزوج).

 

وكأن الكاتبة أحالت إلى مرحلة المرآة لدى جاك لاكان؛ أي تحول النفس إلى كائن يمكن أن تنظر إليه الذات من خارج نفسها. وصحيح أن هذه المرحلة تخص، عند لاكان، مراحل النمو عند الأطفال، لكن الكاتبة لا تبتعد بحكاية بطلتها، في الأساس، عن ذاتها كطفلة.

 

وقد حدث ذلك من خلال ذكرياتها كطفلة تلعب الاستغماية مع أبيها، ثم تكرار اللعبة نفسها مع ابنتها، في ثنائيات عبثية لا يحكمها سوى الاختباء المستمر. ومن خلال هذه التقنية المبتكرة (النافذة/المرآة)، أفسحت الكاتبة للعمل بعدًا آخر، هو البعد النفسي، كما تركت له إمكانية التعدد في حياة أمهات أخريات، يمكن أن يتشاركن مع الكاتبة ذات الندم وذات المخاوف من الأمومة.

 

لطالما اشترطت على نفسي الاهتمام بالأعمال الروائية التي تمتلك القدر الكافي من الشجاعة؛ الشجاعة في مواجهة الذات، والشجاعة في مواجهة العالم الخارجي، والشجاعة في ابتكار شكل فني للسرد. وقد وجدت في عمل كاميليا حسين هذا القدر من الشجاعة.

 

فمن ناحية الندم على الأمومة، يقدم العمل العديد من المشكلات مع الذات والمجتمع، ابتداءً من سؤال البنوة وانتهاءً بسؤال الأمومة، مما سيجعل العمل منفتحًا بشكل متواصل على السؤال الأخلاقي.

 

أما من ناحية الشجاعة الفنية، فلا شك أن الأعمال القصيرة مطالبة بجودة أكبر، فليس مقبولًا منها، على سبيل المثال، أن تكون مجرد سردية سيالة لا تفضي إلى شيء سوى الفضفضة، التي قد نتسامح معها في الأعمال الطويلة.

 

وهذا ما تنبهت إليه الكاتبة في عملها، فأعطته شكلًا سرديًا بسيطًا، تتخلله بعض الروابط المبتكرة التي تشد أطرافه إلى بعضها، مثل رابط الحوارات الخفيفة مع الزوج، دون الحاجة إلى سماع صوته داخل النص، وكذلك الحوارية البصرية عبر الجيران من خلال ثنائية النافذة/المرآة، فضلًا عن الاتكاء على ثيمة العنوان/اللعبة.

 

وأعتقد أن هذا، عطفًا على قصر النص، كان كافيًا جدًا، فلا حاجة إلى الترهلات التي قد تصنع بؤرًا لا داعي لها داخل النص السردي القصير. وهذه، في اعتقادي، شجاعة فنية، قد يكون المقابل لها الاستسلام لشهوة الحكي، أو محاولة تكبير حجم النص دون حاجة حقيقية إلى ذلك.

المقالة السابقة

اضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”