«أحزان هندية» حين يفضح السرد جهلنا بالآخر

أثناء قراءتي لرواية «أحزان هندية» للروائي عبدالله خان، الصادرة عن العربي للنشر والتوزيع عام 2020، بترجمة ريم داوود، كانت تلاحقني فكرة: إلى أي مدى نعرف نحن في الخليج العربي الإنسان الهندي، الذي شاركنا جزءًا كبيرًا من حياتنا اليومية؟

أعرف، بطبيعة الحال، وقبل قراءة الرواية، الكثير عن الجالية الهندية، لكن معرفتي بهم محصورة في إطار وجودهم هنا كوافدين أجانب، يشاركوننا يوميات الحياة خارج بيوتنا؛ أي على السطح الخارجي من الحياة. وحين دلفت إلى تفاصيل الرواية، بدأت تنفرج أمامي أمور كثيرة عن هذا الإنسان من داخل بلاده المليئة بالأحزان، والتي عبّر عنها الروائي بدقة متناهية.

أعتقد أن الرواية أرضت فضولي؛ فهي رواية واقعية مشبعة، لم أستطع السياحة فيها إلا كقارئ، ولم ألتفت إلى الجوانب الفنية المنغّصة. عرفت من خلالها العادات الاجتماعية في الهند، أو على الأقل في المكان الذي تنتمي إليه الحكاية، وهو مدينة “باتنا”، عاصمة إقليم بيهار الهندي، الواقع في شرق الهند، والتي تُعد من أكبر مدنه من حيث عدد السكان.

وعرفت من خلالها ويلات الإنسان الهندي، وطريقة تفكيره، ومكتسباته الثقافية، والتنوع الطبقي الخانق، الذي عبّرت عنه الرواية بوصفه جزءًا من الحزن الهندي العظيم. لم تُغفل الرواية التفاصيل، بل كُتبت بطريقة السرد السينمائي الذي يُظهر الأحداث بطريقة ثلاثية الأبعاد، فكل حدث فيها مشبع للحواس؛ يستطيع القارئ من خلاله مشاهدة المكان، وحركة الشخصيات السلسة داخله، مع مزج جميل للعواطف التي تعصف بالإنسان: خلجات الحب، وضغط الكراهية، والحنان الذي تمسح به العلاقة الأسرية المترابطة على قلوب الشخصيات في العمل.

الجميل أن الروائي عبدالله خان نسج كل ذلك، وعرّفنا على الهند من خلال قصة حب بين “عارف”، الشاب الهندي المسلم، و”سوميترا”، المرأة الهندوسية المتزوجة، التي تشاركه حب الشعر وشغف القراءة. ورغم تعقيدات هذه العلاقة، إلا أنها بدت لطيفة، وفيها ذلك النوع من الجمال الإنساني الذي ينبعث فيه الحب خارج حدود المنطق والممكن.

ومن خلال الحكاية، مرّر خان أيضًا مشكلات السياسة وتصارع القوى؛ فالحكاية التي دارت أحداثها في تسعينيات القرن الماضي وحتى بدايات القرن الجديد، لم تُغفل العودة بالقارئ إلى لحظات تاريخية مفصلية في تاريخ الهند، مزجها بالواقع، وقدّمها في حلة واقعية تمثل —بامتياز— الشكل الواقعي للرواية.

ما أستطيع قوله في النهاية أن هذه الرواية رواية جيدة لمن أراد أن يتعرف على الهند؛ فهي، في تصوري، أمينة في نقل شكل الحياة الهندية، على الأقل في الفترة الزمنية التي تحدثت عنها. لكن السؤال الذي لا أستطيع الإجابة عنه: كيف هي الرواية مقارنة بالمنتج الروائي الهندي؟ وهل كل الروايات الهندية تنتهج هذا النهج الواقعي، أم أن هناك تجارب روائية مختلفة فنيًا؟ خاصة أن هذه الرواية رواية هندية مكتوبة في الداخل، وليست مثل ما يصلنا عادة من روايات هندية مكتوبة في المهجر، التي تصلنا بعد الاحتفاء الغربي، الذي ينجح دائمًا في توجيهنا نحو قراءات معينة، لها أسبابها هناك في الغرب، والتي تكون أحيانًا مبهرة فنيًا أو موجهة سياسيًا، لكنها منفصلة عن كونها روايات هندية!

المقالة السابقة
المقالة التالية

اضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”