طعم الذئب ..لامست الصحراء ولم تسكنها

في البداية، لا بد أن أنوّه إلى أمر بالغ الأهمية فيما يخص هذه الرواية «طعم الذئب» لعبدالله البصيص، ألا وهو أن قبولها كرواية صحراء، أو رواية تحقق القدر الكافي من تمثيل بيئة الصحراء، أمر لا أجده منصفًا للرواية؛ فمعظم القراءات التي تناولتها ركزت على هذا الجانب، وأنا شخصيًا لا أرى فيها التعبير العميق عن الصحراء. فالواضح لي أنها لامست السطح الصحراوي، الذي يمكن لأي شخص من البيئة المجاورة —بل وكل البيئات الخليجية كذلك— توقّع مفرداته وعوالمه. ومن هنا، فإن وصفها برواية صحراء يضعفها ويجعلها رواية عادية.

أما عدا ذلك، فلنا حديث مفصل، بعضه يسرّ، وآخر يجعل الرواية تقف بجانب المنتج الروائي العربي الذي يرزح تحت وطأة الهشاشة والجوع السردي، إن صح التعبير.

وفيما يخص مسرّات الرواية، في رأيي المتواضع، أنها دلفت إلى منطقة جوهرية في علاقة الإنسان الخليجي بمجتمعه، وهذه المنطقة متعلقة بما يُعرف عند البادية بـ(المخازي)، أي الأمور التي تُشعر الإنسان بالخزي. وهي منطقة شديدة الحساسية، والرواية تقوم في الأساس عليها، وقد أمسك بها الكاتب من خلال خط السرد بإحكام، وناقشها من جهة البيئة البدوية، وحاول أن يقول رأيه فيها بكل صراحة، وأوصلها —في تصوري— إلى منطقة تساؤل روائي حقيقي، مفاده أن أي اتجاه نحو السلم يُعدّ مضادًا للرجولة، في مقابل أن أي ميل إلى العداء والتشيطن يصب في معنى الرجولة ويبعد عن المخازي. واستمر هذا التساؤل من بداية الرواية إلى نهايتها، وربطه الكاتب بجميع أنواع العلاقات: الأسرية منها، متمثلة في الأم، والقبلية متمثلة في الخال، والبيئية متمثلة في صلف الصحراء ومعاندتها، وفي الذئب الذي أحسن الكاتب إذ جعله في عتبة الرواية الأساسية (عنوانها).

والذي أراه أن هذا الملمح هو ما جعل الرواية، في نظري، مهمة، وجعلها تستحق لقب رواية، أي يتحقق فيها الحد المقبول لمفهوم فن الرواية.

ومن مسرّات الرواية كذلك الجزء الأخير (الفصل الثالث)، من بدايته وحتى قبيل النهاية. وفي هذا الجزء نبتت العلاقة بين البطل (ذيبان) والذئب، وهي علاقة —رغم حلميتها وتداخلها— حققت الجزء الأهم في الرواية، وكم وددت لو كانت الرواية من أولها إلى آخرها على هذا المنوال. وليس الأمر في أنسنة الذئب، فهذا فعل مسبوق في الروايات العربية وغير العربية، بل في الثنائية التي تعج بالتناقضات: الخير والشر، الحب والكراهية، القوة والضعف، الخزي والرجولة، والتي أبرز فيها الكاتب براعته السردية، وجعل القارئ يشتد تعلقًا بالعمل.

أما ما يتعلق بالأمور التي لم تسرّني في الرواية، فيأتي في أولها تقليدية الرواية. وليس العيب في التقليدية نفسها، فهناك أعمال تقليدية محكمة لا يستطيع القارئ عدم تفضيلها لهذا السبب، بل لأنني رأيت أن في إمكان الكاتب أن يضفي على العمل شيئًا من ملامح التجريب، وهي ممكنة في العمل، وربما ساعدت على قبوله بشكل أكبر. كما أن التقليدية جعلت العمل يبدو —بشكل من الأشكال— مدرسيًا، ويتبع منهجًا لا يفاجئ القارئ، إذا ما استثنينا تصدير العمل بمقدمة واضح أنها مستلة من الجزء الأهم في الرواية، الذي نوهت بأهميته وتفضيله.

ثاني الأمور هو اللغة؛ فالرواية، وبيئتها، وإنسانها، تحتمل التخفف من اللغة الفصحى، وكنت سأصدق أنها رواية بدوية وصحراوية صرفة لو أنها خففت من الفصحى، خاصة في جانب الحوارات، فلم أجد من المنطقي أن تتحدث الشخصيات في بيئتها بالفصحى.

ثالثًا: الشعر المبثوث في ثنايا النص بدا أضعف بكثير من النص السردي، خاصة وأن البطل شاعر —بشهادة محبوبته التي ترى أن منبع حبها له هو جمال وجودة شعره— وسواء كان الشعر للكاتب أو شعرًا شعبيًا لشعراء آخرين (لست متأكدًا)، فقد أضعف قناعتي بالحكاية.

بقي شيء أخير، وهو التكرار، وأستطيع أن أجزم بأنه آفة من آفات الرواية العربية. فما فائدة أن أسمع الحكاية نفسها مرة أخرى، وبالصيغة نفسها، وإن كان المروي له آخر؟ وما فائدة أن يكون مصدر كل الأساطير الشعبية عن الجن والحيوان والأبطال من البشر هو الجدات؟ هذا التكرار يجعل القارئ يضجر من العمل، ويشعره بأن الكاتب لم يبذل جهدًا في هذا الصدد. من الطبيعي أن تتكرر الحكاية ويتعدد المروي له، لكن اتباع الطريقة نفسها أمر سهل، بينما القارئ يريد أن يسمعها بطريقة أخرى تشبه المروي له الآخر.

أود أن أختم بأنني لست في معرض تقييم استحقاق الروايات للجوائز فيما أقرأه منها؛ فالجوائز لها اعتبارات أخرى لست من المشغولين بها ولا من المشتغلين بها، لكن لا أخفي أن في الأمر نسبة معقولة من الغرابة، يدركها الكثير، ولا يتكلم عنها إلا القليل.

المقالة السابقة
المقالة التالية

اضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”