حكاية الكلب التي كشفت العالم

 

للكلب في الأدب حضور واسع، سواء في الأدب العربي أم الغربي، وسواء بصورته الإيجابية أم السلبية، في تناوله الرمزي أم الحقيقي. لذا، وقبل أن أبدأ في قراءة رواية «إخضاع الكلب» لأحمد الفخراني —دار الشروق، 2021— قلت لنفسي: ماذا يمكن أن يضيف الفخراني لهذا الباب؟ وبدأت أستحضر في ذهني عددًا من العناوين الروائية التي تناولت هذا الحيوان صاحب العلاقة المربكة مع الإنسان؛ فهو الوفي الذي لا يفرق وفاؤه بين الخير والشر، فسواء كان كلب شرطة أم كلب لص، فوفاؤه لصاحبه حاضر. هو نوع غريب من الوفاء الذي لا يفهمه —على الأغلب— الإنسان المسكون بالوعي.

 

واستدعيت الحضور الرمزي للكلاب في «اللص والكلاب» (1961) لنجيب محفوظ، لكن كلاب محفوظ لم تكن كلابًا بالمفهوم الحقيقي، بل كان استدعاؤها على سبيل الشتيمة، وهي شتيمة مشهورة لدى البشر في كل مكان وزمان، على ما يبدو. وأذكر هنا إشارة ميغل دي أونامونو في روايته العظيمة «ضباب»، حين كان أوغوستو، بطل الرواية، يسأل كلبه أورفيو: «ولكن قل لي يا أورفيو، ألا يخطر لكم أنتم معشر الكلاب أن تظنوا، ذات يوم، أنكم بشر، مثلما كان هناك بشر ظنوا أنهم كلاب؟». وبنفس هذا المنطق في العلاقة اللفظية الحادة تجاه الكلاب، نعت محفوظ رؤوف علوان الثوري المرتد، وعليش التلميذ الخائن، ونبوية الزوجة الخائنة، وآخرين.

 

وفي روايات عربية كثيرة حضر الكلب برمزيته الأشهر (الوفاء)، كما لدى توفيق فياض في «الكلب سمور» (1966)، كما حضر على سبيل المفارقة السياسية، كما لدى معين بسيسو في «دفاتر فلسطينية» (1978)، وفي «النهايات» (1977) و«حين تركنا الجسر» (1979) لعبدالرحمن منيف، وصولًا إلى «حرب الكلبة الثانية» (2016) لإبراهيم نصر الله، التي كان الخصام على الكلب فيها شرارة حرب أهلكت الحرث والنسل. وبين كل هذه الروايات، روايات أخرى لا حصر لها، حضر فيها الكلب كشخصية رئيسة، وكأنه يقوم بدوره السردي تمامًا كما تفعل بقية الشخصيات الروائية المهمة. ولعل أحد الباحثين يهتم بهذا الدور المحوري الذي لعبه —وما زال— هذا الكائن الصديق للبشر، ويتناول حضوره في الرواية العربية؛ حتمًا سيكون لديه مادة إشكالية وجيدة للبحث.

 

ورغم هذا الزخم الروائي الذي تناول الكلب موضوعًا روائيًا، فإن الفخراني فاجأني، وذهب بعمله السردي إلى مناطق بعيدة تمامًا، وهي المناطق الفلسفية ذات البعد الرؤيوي العميق. فبطله (هارون عبدالرحيم)، المصور الفوتوغرافي المعروف في الأوساط الفنية القاهرية، ينتقل هاربًا إلى (دهب في جنوب سيناء)، جراء ظنه بأن صديقه (سمير الضمراني) يخونه مع زوجته (باربرا) الألمانية، وأم ابنه (آدم). وهو يعاني من مشاكل نفسية انسحابية تتقاطع مع المفهوم الفلسفي المعروف بـ«الفلسفة الكلبية». والكلبية في شكلها الحديث اتجاه يتمثل في انعدام الثقة بالقيم الأخلاقية والاجتماعية المزعومة، ويرفض الحاجة إلى المشاركة، وهو اتجاه فلسفي متشائم حيال قدرة البشر على اتخاذ الخيارات الأخلاقية الصحيحة. والكلبية الحديثة في الإنتاج الإنساني تتمحور حول المجتمع الجماهيري، خاصة في الحالات التي يعتقد فيها الفرد بوجود تباين بين دوافع المجتمع المعلنة ودوافعه الفعلية. أو كما قال بيتر سلوتر دايك في كتابه «نقد العقل الكلبي» (1983): «الكلبيون الحديثون سوداويون حديون، يمكنهم إبقاء أعراض الاكتئاب لديهم تحت السيطرة، ويحتفظون بالقدرة على العمل مهما حدث»، ويتضمن هذا القول أحد الجوانب النشيطة للكلبية، وهي الرغبة في فضح النفاق وتوضيح الفجوات بين المثل العليا والممارسات الفعلية.

 

وشخصية هارون في الرواية —كما يبدو لي— لا تذهب بعيدًا عن هذه الرؤى الفلسفية، بل إن الكاتب يصرّح بها من خلال لغة الرواية العالية؛ فاللغة ليست بريئة ولا سطحية، بل تتضمن في بنيتها هذا النوع من السردية الرفيعة. وما حكاية الكلب، والرهاب منه، ومسألة خيانة الصديق والزوجة، والعلاقة المعقدة بين معاملة والده له ومعاملته هو لابنه، إلا ملعبًا للخطاب الرؤيوي عبر الحكاية التي أحسن الفخراني حبكتها، ومرر عبرها اتجاهه الفكري والفلسفي. فالعمل من تلك الأعمال التي تستخدم فن الرواية مطية للوصول إلى خطابها الإنساني حول المجتمع والعالم في اللحظة الراهنة.

 

أما فيما يخص فنية الرواية، فيبدو أن الفخراني استطاع أن يمسك بمفاصل هذا الفن المتفلت بطبعه، فنجح فنيًا في جعل العمل يقوم على بعدين متجاورين: بعد حكائي يُقرأ من خلال حبكته وشخوصه وزمكانه، وهو بعد منسجم لا تشوبه شائبة، ولا يخلو من المتعة المطلوبة في فن الرواية؛ وبعد آخر مفاهيمي، ينطوي على رؤية فكرية وفلسفية، تأخذ المتلقي إلى منطقة التأمل وإعادة التفكير في شكل العالم، بمكوناته البشرية وغير البشرية، وموقع الإنسان فيه، ومدى قدرته على الانسجام.

 

فإذا ما نظرنا إلى العمل في بعده الأول، فالكلب (ونيس) كلب حقيقي، يحاول جاهداً أن يربك وجود البطل في (دهب)، الفضاء الذي أراد البطل الهروب إليه، رغبة في الانسحاب من الحياة التي يتشكك في دوافعها الحقيقية. أما إذا ما نظرنا إلى البعد الفلسفي —وهذا ما أحب— فالكلب شخصية رمزية استخدمها الكاتب لتمرير خطابه الرؤيوي، الذي يمثل هو أيضًا مأزقًا كبيرًا لوجود البطل. والجميل هو وصول المتلقي، في النظرتين كليهما، إلى النتيجة الكارثية نفسها.

 

فسواء كان (هارون) في الرواية مقهورًا، مورس في حقه أبشع أنواع الاضطهاد من خيانة وتقريع وسخرية، أم كان قامعًا للكلب، حيث مارس عليه أنواع التعذيب البدني والهجران، فهو في النهاية ضحية هذا العالم. وقد مثّل في هذه الثنائية الرأي الفلسفي الذي صرّح به برتراند راسل، حين قال: «إن المقموع، بمجرد إزالة القمع عنه، يمارسه بدوره تجاه الآخرين». فما (هارون) إلا الآخر بالنسبة للمجتمع، وما الكلب (ونيس) إلا الآخر بالنسبة لهارون.

 

أخيرًا، أتصور أن هذه الرواية، ذات الصفحات القليلة (154 صفحة)، وذات الغلاف غير الجاذب —قياسًا بأغلفة روايات هذه السنة، التي يتميز أغلبها بالجمال وعناية الناشرين بعتباتها— تستحق أن يُلتفت إليها قراءةً ومراجعةً، وألا تمر على المهتمين مرورًا عابرًا؛ فهي رواية دخلت إلى حقل مستهلك، وموضوع سبق إليه الكاتب، ومع ذلك حقق فيها الفخراني بعدًا مغايرًا ومختلفًا، خلافًا للروايات التي تتطرق إلى موضوعات أو مناطق تجريبية جديدة، فيكون تلقيها أيسر والتجاوز عن هناتها أولى. وإن دلّ هذا، فإنما يدل على جودة قلم الكاتب ورسوخه في هذا الفن.

المقالة السابقة
المقالة التالية

اضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”