بدأتُ مؤخرًا أشعر بأن منتصف الرواية هو الاختبار السردي الحقيقي؛ فمن السهل الولوج إلى العمل الروائي إن كانت رؤية الكاتب واضحة أمامه، وإذا كان بيانه الفني تحت تصرفه، أتوقع أن بإمكانه الخروج من النص ببضع صفحات لو أراد. يتبقى المنتصف؛ هذه المنطقة في فن الرواية تحتاج إلى صانع وفنان، فمعظم القراء تصيبهم حالة من التخثر عند الوصول إلى منتصف العمل.
هذا ما شعرت به، وأحسست أن بإمكاني أن أقول فيه شيئًا ذا بال بعد قراءة رواية «الحي الخطير» لمحمد بنميلود —دار الساقي، 2017— ففي منتصف الرواية بدأت تتكشف موهبة الكاتب وقدرته، ومدى إمساكه المتمكن بالخط السردي. وهذا لا يعني أن بداية الرواية كانت ضعيفة، أو أن نهايتها كانت أقل من المتوقع؛ على العكس تمامًا، ففي البداية صنع بنميلود نسق الحكاية، المرتبط تمامًا بعتبتها الأهم (العنوان)، كما أنه أحسن الخروج من النص بالعود إلى البداية وإنهاء العمل بشكل متناسق.
لكن جودة النص سرديًا كان محلها المنتصف، حيث انتشر النص أفقيًا، وتسرب إلى حياة الشخوص، وبرزت بوضوح قدرة الكاتب على النظر في كل الاتجاهات في وقت واحد. وجمال السرد —في تصوري— أن يكون كذلك، أي أن يكون نصًا متلفتًا في كل الاتجاهات؛ فحين ينغمس القارئ في النص الذي يتوجه إلى اليمين، لا يغفل الكاتب جهة اليسار، وحين يعدو النص إلى الأمام، يجعله الكاتب يتلفت —بشكل متردد— إلى الخلف.
إن من ميزات النص السردي الطويل أنه يتيح هذه المساحات المفتوحة دائمًا، ما يجعله نصًا موازيًا يستوعب الحياة الحقيقية. وهذا ما استثمره بنميلود تمامًا لصناعة نص لا ينقصه شيء، وبما أن موضوعه الديستوبيا، فإن الخيارات كانت أوسع مما يتخيل القارئ، وقد ذهب الكاتب في التخييل بعيدًا، وجعل الديستوبيا تتحدث دون توقف عن أدق التفاصيل: قتل آباء، وزنا محارم، وقتل مجاني، وبيوت تقع على رؤوس أهلها، وجرافات سلطة تسحق الناس، وخيانات، وهراوات، وسكاكين، وخمور محلية، واختراق متتالٍ للتابوهات. لم يترك بنميلود لا الملك على عرشه ولا الله في عليائه. أليس فن الرواية هو الفن الوحيد الذي يحمل كل هذه الحمولات، ويسأل كل هذه الأسئلة؟
لقد فعل بنميلود كل هذا بحبكة سلسة لا تحتمل التعقيد بقدر ما تحتمل التفاصيل؛ فالرواية هي فن الغوص في التفاصيل، تفاصيل المكان الذي هو البطل الحقيقي، البطل الذي يهب —أو ينهب— شخوصه معنى حياتهم. إنه المكان الخطير (الحي الخطير)، الرحم الذي تتوالد داخله الحكايات والخرافات، وقد أثّثه الكاتب بكل ما يلزم ليكون مكانًا مناسبًا لتقديم صرخته؛ صرخته تجاه المجتمع، والسياسة، والدين، والعالم كله. فهو مكان مؤهل لإضرام الحرائق، وإغراق الجثث، وتدخين الكيف، وهو البيئة المثلى لاختبار بشاعة فكرة التمدن. وبيان الرواية شديد الوضوح والصراحة؛ فقد صنع كل ذلك ليثور عليه، أو للهروب منه على أقل تقدير.
إني لأخجل، عندما أرى نصًا بهذا الامتلاء وهذا الإشباع، نصًا يصرخ في وجه الحياة بأسرها، أن أعرّج على هناته، لكنها مسألة موضوعية ألزمت نفسي بها، رغبة في أن أقدم ما يفيد ويضيف. وهي هنة يمكن تجاوزها لولا وضوحها، ولعل الكاتب وقع فيها بسبب استغراقه السردي المحموم بالوجع والتعب. وتتمثل هذه الهنة في صوت الراوي العليم، الذي تسرب إلى صوت البطل مراد، وهو ما لا يقبله المنطق؛ إذ لا يمكن لشخصية كهذه أن تصل إلى هذه المرتبة من العلم والمعرفة ببواطن الأمور. والمزعج أكثر أن هذه الهنة جاءت في أكثر منطقة تهمني شخصيًا، وهي
منطقة منتصف الرواية.
ولكن لا بأس، لأن للعمل ميزة إنسانية ثورية تمثل صرخة عادلة، وأنا مؤمن بها أكثر من إيماني بالفن ذاته، وهي ميزة تفوق قدرتي على التركيز على هذه الهنات، لدرجة أنني لم أتوقف عندها كثيرًا، بل تجاوزتها، وغفرت للكاتب الوقوع فيها.
