منذ تصدير رواية «صائد اليرقات» للروائي أمير تاج السر، منشورات الاختلاف، 2010، بالمقطع الشعري الإسباني التالي:
“فإن شئت أن تسأل صورتك
في ليلة دافئة
بعينين غامضتين والسؤال على الشفتين
فلا تبحث عن ذاتك في المرآة:
إنه حوار مخنوق، لا تسمع منه شيئًا
بل انزل إلى الشارع في بطء، وابحث عن ذاتك
بين الآخرين
هنا تجد الجميع، وأنت بينهم”
— الذي يحيل إلى النظر إلى الداخل — وبالإضافة إلى استهلال الفصل الأول منها: «سأكتب رواية. نعم سأكتب»، يبرم أمير تاج السر عقده الافتراضي مع القارئ الذي يمتلك «كفاية سردية»، كما يقول الناقد العراقي الدكتور فاضل ثامر، وهي كفاية ضرورية تحمي الفعل القرائي من مغبة اللبس، ذلك اللبس الذي يوقع القارئ في الشك والحيرة اللتين يخلفهما النص «الميتاسردي» في العادة. والميتاسرد، في أبسط صوره، هو: «وعي ذاتي مقصود بالكتابة القصصية أو الروائية، يتمثل في الاشتغال على إنجاز عمل كتابي، أو البحث عن مخطوطة ما، يكشف فيها الراوي أو البطل عن انشغالات فنية بشروط الكتابة، مثل انهماكه بتلمّس طبيعة الكتابة الروائية».
فالنص الميتاسردي نص ذاتي نرجسي بطبيعته، وهو في هذه الرواية —بالإضافة إلى نرجسيته— ساخر، أو يتذرع بالسخرية إن صح قول ذلك، وهذا ما ميّز هذه التجربة الروائية عن بقية التجارب العربية الميتاسردية، التي بدأت منذ ستينيات القرن الماضي؛ فهي تجربة تتحدث عن الاشتغال الروائي في شكل من الخفة، خلافًا للتجارب العربية المشابهة.
ولطالما كانت السخرية شكلًا فنيًا محفوفًا بالمخاطر، ومن تلك المخاطر أن يُقرأ النص بوصفه مشروعًا روائيًا يستثمر السرد الفكاهي الخالي من العمق. والأمر ليس كذلك البتة، بل هو شكل تعبيري فني رفيع يتناول الميتاسرد من زاوية جديدة، تتكون من وعيين يسيران جنبًا إلى جنب: وعي حداثي بحت ينطلق من خلال شكل فني معاصر، ووعي واقعي موضوعي يتمثل في معضلة استسهال خوض تجربة الكتابة الروائية، وهي —في حد تعبير الرواية— مسألة فكاهية تستدعي السخرية والتندر.
الأمر الذي راق لي في هذه السخرية الروائية —رغم خفتها التي تصل أحيانًا إلى حد الابتذال، وهو ابتذال مقصود— كونها تمس السلطة بشكل من الأشكال؛ فالراوي وبطل الرواية، الذي يتحدث بضمير المتكلم (عبدالله حرفش أو عبدالله فرفار)، يرمز صراحة إلى السلطة، ويريد كتابة روايته بعد استبعاده من وظيفته الاستخباراتية إثر حادثة مضحكة وقعت بين فرقتين من الفرق الاستخباراتية، ظنت كل واحدة منهما أن الأخرى طرف معادٍ. وقد فقد خلالها الراوي/البطل قدمه، واثنين من طاقم فريقه، ما جعله يعادي النظام العسكري السلطوي، ويبدأ محاولة كشف عورته، ويريد أن يفعل ذلك كله من خلال فن الرواية، مستثمرًا خبراته في كتابة التقارير عن «خونة الوطن» —بحد تعبيره— قبل دخوله تجربة كتابة الرواية.
وفي هذا انقلاب للسلطة على نفسها، وكأن الكاتب يسأل بسخرية بالغة: ماذا لو أرادت السلطة أن تكتب روايتها؟! والنتيجة هي هذا النص الكارثي، الذي حوّل فن الرواية إلى مجموعة من التقارير الاستخباراتية. وهذا تحديدًا ما قاله الروائي (أ. ت) عن تجربة رواية (عبدالله حرفش أو عبدالله فرفار)، حين أخبره بأن ما يكتبه مجرد تقارير تمثل «اليرقة الميتة» التي لا يمكن أن تتحول يومًا إلى حشرة مكتملة (رواية)، ومن هنا جاء عنوان الرواية (صائد اليرقات). ثم استثمر (أ. ت)، كروائي حقيقي، حكاية البطل الاستخباراتية ليصوغ منها رواية حقيقية بزعمه.
وليست هذه السخرية الوحيدة في الرواية من فن الرواية ذاته، بل هناك سخرية أخرى أخف حدّة، تتمثل في محاولة كتابة الرواية من قبل الفتاة الجميلة، التي تسعى للحضور من خلال جمالها لا جودة منتجها. وتتضح السخرية اللاذعة من خلال موقف الروائي (أ. ت)، الذي يرمز اسمه الحركي —على طريقة الأسماء في التقارير الاستخباراتية— إلى اسم الروائي أمير تاج السر نفسه، حيث يعلن أنه سيقبل —مضطرًا بسبب جمالها— تقديم روايتها الهزيلة، ما يجعل الروائي-المخبر (عبدالله حرفش أو فرفار) يغار منها، ويتشكك في الفن الروائي نفسه، ويسخر منه بدوره، وتزداد مطالبته بأحقية ضم صوته الروائي الجديد إلى بقية التجارب الروائية المشكوك في أمرها.
من هنا يمكن القول إننا أمام رواية ميتاسردية بامتياز: أولًا، لأن الكاتب يدخل نفسه في عملية التخييل السردي، وهذا أصل من أصول الميتاسرد؛ وثانيًا، لأن الرواية تحتوي على أربع روايات أو مخطوطات: ثلاث منها منجزة، وهي الرواية التي نقرأها، ورواية (أ. ت) عن الفتاة الروسية «على سريري ماتت إيفا»، التي استُلّت منها أجزاء في النص، ورواية الفتاة الجميلة ذات الجينز الأزرق، التي لا نعرف منها سوى عنوانها «لحظة حب»، وأخيرًا الرواية المزعومة التي يود المخبر المتقاعد قسرًا كتابتها، والتي يتخلى عنها في النهاية بسبب عودته إلى السلطة، وكأن الرواية تقول إن فن الرواية متمنّع، ولا يمكن كتابته من داخل السلطة؛ ففي داخلها تُراقب الرواية، ولا تُكتب.
أخيرًا، لا أود أن أغفل شعوري المبدئي بعدم الرضا عن خفة الرواية، سواء في تسمية الشخصيات، أم في اللغة الروائية —التي قد تكون مبررة بحكم طبيعة العمل الساخر— أم في الأحداث. ولا أريد أن أُتهم بأنني من أنصار العمق على حساب القارئ غير المختص، المهتم بقراءة الرواية من باب المتعة، ولذلك، حين تذكرت التجارب العربية المشابهة التي تُقصي هذا النوع من القراء، قلت: لا بأس! فمن حق الكاتب أن يختار ويعلن انحيازه، مع العلم أن القارئ المختص سينتبه إلى أهمية هذا الملمح، كون الرواية حديثة فنيًا، وممتعة في قراءتها وسهلة التلقي.
ما جعلني أعيد النظر، وأقول إن أمير تاج السر تعمد هذه الخفة ليقرب القارئ غير المختص من هذا النمط التجريبي، خاصة أن الروايات الميتاسردية قد ضحّت به كثيرًا، حتى غدت هذه الأنماط بالنسبة له نخبوية وغير مفهومة، ينفر منها سريعًا ولا يتلقاها بسهولة، لأنها تُكتب للنقد أكثر مما تُكتب للمتعة. وهذه مفارقة تستحق التأمل؛ فالمسألة تنطوي على نوع من الموازنة الذكية، التي تستحق الالتفات إليها بوافر الاحترام، وهي —في النهاية— متروكة للزمن، الذي سيحدد نتائجها، سواء من خلال تلقيها النقدي أو عبر التجارب الروائية اللاحقة.
