لا بساتين ولا بصرة في بساتين البصرة لمنصورة عزالدين

لا بساتين ولا بصرة في بساتين البصرة لمنصورة عزالدين، روايتها الأخيرة، الصادرة عام 2020 عن دار الشروق. فعطفًا على العنوان، بوصفه عتبة أساسية، يتوقع المتلقي رؤية بساتين البصرة حقًا، لكن الرواية تنتهي دون تجوال حقيقي في تلك البساتين، إذا ما استثنينا تعلّقها بشجرتين يتكرر حضورهما، أحيانًا وفق مبرر منطقي، وأحيانًا دون ذلك، وهما شجرتا الياسمين والبومباكس.

حين انتهيت من قراءة الرواية، بدأت أتلمّس في ذهني مكمن المشكلة في عدم إعجابي بها، وشكي في أنها مهمة بالفعل في مسيرة هذا الجنس الأدبي. وبدأت أفرز العناصر الأساسية لما يمكن أن نسميه رواية، فوجدت بعد التأمل أن عناصر الرواية متوفرة بالفعل، بل وأكثر من ذلك، أنها تتواءم مع اللحظة الروائية الحديثة من حيث التقنيات الفنية وأصوات الرواة، إلى غير ذلك. فأين المشكلة إذن؟

ما أعتقده، بعد التفكير والتعمق، وترك الرواية وقتًا كافيًا لأرى العمل من مسافة بعيدة ومعقولة، ومن دون اتهام نفسي بالغضب الذي أعرفه ويعتريني بعد قراءة عمل يخذلني، أنني استطعت أن أخلص إلى الآتي:

أولًا: الرواية غير مشبعة، ويعتريها نقص في جوانب كثيرة؛ فمعرفتي بالشخصيات، مثلًا، ما تزال معرفة سطحية، وفيها شيء من التيه، ومرد هذا التيه هو القفز الزماني بين حدث وآخر. والأولى من الشخصيات المكان الذي يرتبط نص العمل باسمه؛ إذ لم أستطع أن أراه بالفعل!

ثانيًا: الربط بين الحكايتين في الرواية، حكاية هشام خطاب وحكاية يزيد بن أبيه، إذ إن أداة الربط بينهما مبنية على الحلم والتوهم، وهذا الربط جاء بشكل غير موفق وغير مقنع. وحتى وإن كان هشام خطاب يعمل في مجال المخطوطات والكتب القديمة، فإن الكاتبة لم تُعطِ هذا الجانب مزيدًا من العناية، لذلك بدا غير حقيقي، وبالتالي غير مقنع.

ثالثًا: لغة الحكايتين؛ فاللغة في الرواية تكاد تكون واحدة، إذا ما استثنينا بعض الكلمات التي زُجَّت في نص الحكاية التاريخية التي تحكي عن يزيد بن أبيه، والتي بدا —بشكل واضح ومزعج— أن الكاتبة تريد من خلالها الاقتراب من فكرة أن النص قديم ومنتزع من التراث. كنت أتمنى أن تكون لغة هذه الحكاية لغة تراثية صرفة، وهذا ما لم يحدث، مع الأسف.

رابعًا: وجود بعض الثغرات والبؤر في الحكاية، وهذا أكثر ما أزعجني. لماذا أحرق البطل بيت الزنديق؟ وهل أحرقه بالفعل؟ وكيف؟ قال البطل إنه التماس كهربائي مفتعل، فما دراية البطل —وهو جامع الكتب القديمة المهووس بها— بالكهرباء؟ ما اسم المخطوط القديم الذي وجده الزنديق وقرأه، بل ونسخ البطل شطرًا منه في دفاتره؟ وما علاقته بالحكاية؟ من هي المرأة التي ظهرت في صورة مع البطل على فيسبوك، ثم عاد وحذفها، والتي رأتها حبيبته؟ وهل هي حبيبته بالفعل؟ ادعت أنها تحمل جنينًا منه؛ فهل يمر هذا الأمر دون تمهيد واشتغال روائي؟ أساسًا، الروايات توجد في هذه المناطق؛ فكيف تمر دون معرفتها بالتفصيل؟ كيف ورثت مجيبة المرأة العجوز التي كانت تعيش في خباء؟ هل يمكن أن يرث شخص دون قرابة؟! ولا أظن أن إجابات هذه الأسئلة من مهمة القارئ، ولا هي من قبيل ترك الأمور مشرعة أمام التأويل!

خامسًا وأخيرًا: ما الخطاب الذي تريد الرواية أن يصل إلى المتلقي؟ والذي يفترض أن يكون على تماس مع الواقع السياسي والاجتماعي والمعرفي للحظة الراهنة. وإذا افترضنا أن الخطاب في الرواية مسألة فيها نظر، فما هدف الرواية إذن؟ ماذا تريد أن تقول لنا الكاتبة؟ ما السبب المؤرق الذي دفعها إلى الكتابة؟

كل ما سبق يجعلني أضم هذا العمل إلى قائمة الروايات الإجرائية —إن صحت التسمية— فهي، في تصوري، روايات تتوفر فيها عناصر الرواية من حيث الإجراءات، لكنها تفتقد إلى الوجود والفهم الحقيقي لفن الرواية، هذا الفن الذي يحتوي على حياة موازية توهم المتلقي بحقيقة وجودها، حتى وإن اختلت بنيتها من ناحية الإجراءات الفنية المتعارف عليها، مع ضرورة وجود حقيقي للأرق الذي يعتري الكاتب ويريد أن يعبر عنه.

المقالة السابقة
المقالة التالية

اضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”