الرواية فنّ الحاضر؛ حتى حين تعود إلى الوراء قليلًا، فإنها تفعل ذلك لأسباب تتصل باللحظة الراهنة. أوشكتُ أن أفقد الأمل في العثور على رواية عربية تتناول ما حدث في العالم العربي بعد عام 2011، حين عصفت به رياح الثورات المتتالية، على أن يكون مكوّن خطابها السردي قائمًا على أسئلة: ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ وكيف انتهى الحال إلى ما صار عليه العالم العربي اليوم؟
طوال متابعتي للروايات العربية الصادرة بعد 2011، كنت أترقب لا ولادة رواية واحدة، بل نشوء حركة روائية تتناول هذا الحدث الذي أثّر في الضمير العربي تأثيرًا بالغًا؛ إذ بدأ ربيعًا وانتهى خريفًا موجعًا، ضاعت في أثره كثير من المكتسبات النفسية. وقبل أن يُغلق العقد بابه على هذه المرحلة، أطلت أولى البشائر الروائية من المغرب، مع رائعة عبدالكريم جويطي «ثورة الأيام الأربعة» (المركز الثقافي العربي، 2021).
صحيح أن ثمة روايات استثمرت ما حدث استثمارًا خجولًا أو رمزيًا، غير أن هذه الرواية—في تقديري—هي الأولى التي أعملت مبضع الجراح، وكشفت ما وراء الجلد من أورام. ورغم أنها تتناول ثورة بعيدة زمانيًا، هي ثورة 1973 في المغرب، فإنها تغوص في الضمير العربي العام، وكأن مثالها الخاص ينطبق على الأسئلة الكبرى التي طرحتها الثورات العربية خلال العقد الماضي.
ومن أبرز ما يميز رواية جويطي أنها جاءت في توقيت مناسب؛ بعد مسافة زمنية كافية للمراجعة والتأمل، تسمح بالوقوف في ذلك الموضع الذهني الذي يبلغه الوعي حين يهدأ الانفعال.
في تصوري، الرواية الحديثة هي التي تبني سياقها الفني وفق بيانها وخطابها الأيديولوجي، وتغدو مهمّة حين تقترن هذه الرؤية بعناية فائقة بالأدوات الفنية. وهذا ما تحققه «ثورة الأيام الأربعة»؛ إذ تبدو عناصرها الفنية موضوعة في أماكنها بدقة لافتة، على نحو يندر في سياق روائي عربي يعاني—في كثير من نماذجه—من التراخي والتفكك.
منذ الحكاية الأولى، يمهّد السارد الطريق تدريجيًا لبناء نقاط قوة متعاضدة، تقود القارئ إلى بيان الرواية بوضوح، بعيدًا عن الالتواء والمراوغة. فالحكاية مفهومة في ظاهرها، لكن ما تنطوي عليه أشد تعقيدًا. بطلها أستاذ الفلسفة «السمعلي»، الذي يدفعه تفاؤله وإيمانه إلى المشاركة الفاعلة في الحياة العامة، فيكوّن جوقة من طلابه، وهو عازف ومحب لآلة العود. غير أن سوء توقيت وسوء تنسيق يقودانه إلى مصير مأساوي؛ إذ يغني مع طلابه، في احتفال رسمي، أغنية عاطفية تحمل دلالة ملتبسة («يا ناسي العهد»)، بعد خطاب ولائي مباشر. ومن هذه اللحظة يدخل—بوصفه إنسانًا عاديًا—مختبرات الحياة القاسية، حيث يختبر ماهية النظام وحدوده، وتنتهي رحلته بمشهد فانتازي دال: تقبيل صورة الملك، تلك الصورة الباردة التي تمنحه بطاقة الدخول إلى «نادي» المذلة والمهانة.
غير أن هذه الحكاية لا تُسلّم نفسها بهذه السهولة؛ فالنص أكثر تعقيدًا، بقدر وعي جويطي بفن الرواية الحديثة. إذ تتداخل الحكاية التخييلية مع وقائع ثورة فبراير 1973، التي تُعد—بحسب الروايات التاريخية—من أبرز محاولات التمرد على نظام الحكم آنذاك.
واللافت أن الكاتب، عبر هذا التداخل، يبتكر بطلًا جديدًا: المكان. فـ«الجبل»، حيث تدور الأحداث المفصلية، يتحول إلى كيان ناطق يمرر عبره أهم بيانات الرواية. وكأن العناية بالمكان تشير إلى عنصر مشترك بين كل ثورة والإنسان الذي يعيشها. بل إن الرواية، بعد أن تُنطق المكان، تعود لتسألنا: ماذا عن أمكنتنا نحن؟ هل أنصتنا إليها؟ هل هي في صف الإنسان أم في صف النظام، أم أنها مشغولة بتاريخها الخاص؟
وبمنح المكان هذه الأهمية، تظفر الرواية بأحد شروط بقائها؛ فهو ليس فضاءً عابرًا يمكن تغييره أو محوه، بل كيان أصيل في الطبيعة: الجبل، ووادي إيرس، والربوة. وتكمن دلالة هذا الاختيار في حصر الأحداث داخله، رغم أن الوقائع التاريخية تشير إلى امتدادات أخرى للثورة، لم يمرّ بها السارد إلا عرضًا، فيما ظلت عينه السردية مركّزة على هذا الفضاء، حيث تتشكل الصراعات والمآلات.
قد يظن القارئ أن خطاب الرواية منحاز بالكامل إلى الثورة، غير أن النص يوجّه قسطًا كبيرًا من نقده إلى «الثائر» ذاته. لا يكتفي باللوم، بل يمضي إلى السخرية السوداء، التي تتجاوز العتب إلى اتهام الثائر بالسذاجة، وعدم الجاهزية، وقصور الوعي. وهو طرح يلامس سؤالًا مؤلمًا ظل حاضرًا بعد مرور هذه السنوات: ما أسباب هذا الإخفاق الذريع؟ إخفاق بلغ من الوجدان العربي منزلة «نكسة» جديدة، لكن هذه المرة كان الفاعل جزءًا من أسبابها.
وقد يُظن كذلك أن الرواية تهادن النظام، وتقدّم له مبررات جاهزة، غير أن هذا غير دقيق في تقديري؛ فضمير الكاتب حاضر بوضوح، لكنّه يتوسل السخرية من الذات مدخلًا للبوح. إنها دموع وعيٍ لا دموع تبرير؛ وعيٌ يدرك أن الهزيمة ليست خارجية فحسب، بل متورطة فيها الذات أيضًا، بإيمانها الطفولي وعنادهـا.
ولعل ما يمنح الرواية مشروعيتها الجمالية والفكرية، أنها صدرت بعد مسافة زمنية كافية من الحدث؛ فلو كُتبت في سنواته الأولى، لربما بدا خطابها قاسيًا أو متعجلًا. أما وقد مرّ عقد كامل، فإنها تدخل من باب المراجعة الناضجة، خاصة مع هذا المستوى من الجدية، خطابيًا وفنيًا.
ليس هذا كل ما يمكن قوله عن الرواية؛ فهي عمل غني، يمكن تناول كل مكوّن فيه على حدة. غير أن ما قصدتُ إليه هنا هو التنبيه إلى أهميتها، وضرورة الوقوف عندها بوصفها رواية جادة ومثيرة للجدل، تطرح سؤالًا مؤرقًا وموجعًا، لكنه—في الوقت ذاته—سؤال وجودي لا مفر من مواجهته.
