حين يسبق التصنيف القراءة

 

صنّف الناشر رواية دعاء إبراهيم «ست أرواح تكفي للهو» (منشورات إبييدي، 2019) بوصفها رواية تشويق وإثارة نفسية، وهو تصنيف يتطابق—إلى حد بعيد—مع محتواها. ومع ذلك، لا أجد نفسي مرتاحًا لهذا الفعل؛ إذ ينطوي على نوع من التوجيه الفوقي الذي يسبق القارئ إلى النص، ويستدعي في الوقت نفسه تصنيفات أخرى قد تكون غير دقيقة أو غير ذات جدوى، فضلًا عمّا يفرضه من تقييد لمسار القراءة وتحديد لأفقها. كما أن هذا التصنيف أكثر تداولًا في السينما منه في الرواية، ولا أرى له فائدة ملموسة هنا.

 

وبعيدًا عن هذا الاشتباك التصنيفي—الذي قد تكون الكاتبة شريكة فيه بشكل ما—تقوم الرواية، في تقديري، على المجاز بوصفه عمادها الفني. فالمجاز، بوصفه فعلًا لغويًا، لا يكتفي بتعميق الدلالات، بل يتحكم في بنية العمل بأكمله؛ من العنوان إلى الأحداث، مرورًا بالزمان والمكان، وصولًا إلى تسمية الشخصيات، التي تتقمص أحيانًا أشياءً كالمرايا والعصي، أو تحاكي حيوانات مثل القطط، في سياق يحتمل التأويل المجازي. ومن هنا، فإن حصر الرواية في الحيز «النفسي» يعزّز بعدها الموضوعي على حساب جمالياتها اللغوية، أو يؤخرها إلى مرتبة ثانية، بينما يفترض—في رأيي—أن تكون اللغة هي المكوّن الجمالي الأول، باعتبارها جوهر فن الرواية، وهو ما يتحقق هنا بوضوح، لولا هذا التصنيف المربك الذي يسلّط الضوء على البعد النفسي وحده.

 

أفهم الرواية بوصفها فنًا تعبيريًا يقوم على الحكي الممتد والبوح المتواصل، وتتحرك عناصره—الحدث، والشخصيات، والزمان، والمكان—داخل طاقة اللغة الجمالية. وبذلك، فإن العناية بلغة النص تستتبع بالضرورة عناية ببقية مكوناته، بحيث يصبح تجانسها وانسجامها معيارًا مهمًا للحكم على جودة العمل. وهذا ما يميّز رواية دعاء إبراهيم؛ إذ يتجلى فيها انسجام لافت بين لغة مجازية مكثفة وبقية العناصر الفنية. فالحكاية مراوغة ومموّهة منذ البداية حتى النهاية؛ القتل ليس فعلًا مباشرًا، والبشر قد يكونون قططًا، وهي احتمالات قد تبدو عبثية لولا اندماجها العضوي مع لغة الرواية وعنوانها. وينسحب ذلك على الحوارات والمونولوغات والإضاءات الشعرية الخاطفة، فضلًا عن شخصية البطل الذي يعاني اضطرابًا إدراكيًا، وهواجس قهرية تتصل بالموت والملاحقة والعقاب والشعور بالذنب. هذا التواشج بين اللغة والعناصر الفنية هو ما يمنح الرواية قيمتها ويجعلها جديرة بالتأمل.

 

ولعل أبرز مظاهر هذا التواشج يظهر في معالجة الزمن. فالفارق معروف بين زمن الحكاية، الخاضع للتتابع التاريخي، وزمن السرد الذي يخرق هذا التتابع ويتلاعب به. غير أن الكاتبة تذهب أبعد من ذلك، إذ تُدخل الزمن في حيّز مجازي موازٍ للبعد اللغوي؛ فلا تتتابع الأحداث وفق نسق زمني مستقيم، بل تنسجم مع منطق المجاز. وهذا خيار واعٍ، يتسق مع بناء شخصية البطل المضطربة إدراكيًا، حيث يغيب الإحساس بالتتابع الزمني. ومن هنا يبرز تميز زمن السرد، عبر التداخل، ولعبة التقديم والتأخير، في تقاطع مع تقنيات حديثة عرفها السرد مع تيار الوعي.

 

أخيرًا، كنتُ أتمنى لو اكتفت الكاتبة بترقيم الفصول دون عنونتها؛ إذ لم أجد لعناوين الفصول ضرورة فنية، خاصة أنها جاءت غير منسجمة مع عنوان الرواية الرئيس، وخارجة عن نسقها المجازي. فهي تميل إلى المباشرة، وتفتقر إلى ذلك البعد الدلالي الذي يميز لغة الرواية، مما يجعلها عنصرًا نشازًا في بنية عمل شديد التماسك.

المقالة السابقة
المقالة التالية

اضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”