التشظي كخيار جمالي في رواية «إفلات الأصابع»

 

تأخرتُ في قراءة رواية «إفلات الأصابع» لـ محمد خير – (الكتب خان، ٢٠١٨) – حتى ظننت أنها طُمرت تحت مجموعة الروايات التي اقتنيتها من معرض القاهرة للكتاب العام الماضي، لكن لا بأس؛ فالقراءة حظ، كما أن الفهم حظ أيضًا. ولعلي، بعد قراءتها الأولى، محتاج إلى معاودة قراءتها مرة أخرى، وأنا هنا أحاول أن أوثّق فهمي الأولي للعمل؛ فهناك نمط من السرد الروائي لا يسلّمك نفسه من القراءة الأولى، ليس لأنه نص قائم على فكرة الأحاجي التي تحتاج إلى التركيز وتدوين الملحوظات وفك الطلاسم، بل لأن النص، في تكوينه الرئيس، قائم على التفجير والتشظي؛ فليس للنص أطراف ملموسة وظاهرة، ولا يحيل آخره إلى ما تم تأسيسه في أوله. وهذه إحدى سمات النص الروائي ما بعد الحداثي، الذي يعتمد على لا مركزية الحدث، وبالتالي التخلي عن مفهوم السرديات الكبرى، والتعويض عنها بسرديات متناهية في الضآلة والصغر، تتيح للنص القدرة على الذهاب إلى مناطق التهجين الفني، وتجعل من الشعرية مقترحًا هامًا داخل النص السردي.

 

إن طريقة سرد رواية «إفلات الأصابع» هي جوهر ولبّ مغامرته الروائية؛ ففي حين تتمايز الروايات الواقعية في عناصر القص من أحداث وشخصيات وزمان ومكان، تبرز اللغة السردية لدى محمد خير كمكوّن هام ومؤسس لواقعية حديثة، تتضافر فيها الشعرية والجو الحلمي والتكثيف، ما يجعل العناصر المكوّنة للعمل الروائي تأتي رافدة ومشيرة فقط للجنس الأدبي (الرواية). وأكبر دلالة على ذلك التكثيف الحاضر في عنوان الرواية، وفي عناوين فصولها، وفي زوايا تناول الأحداث داخل العمل أيضًا.

 

يحيلنا هذا إلى طرح سؤال ماهية العمل، ومدى تعالقه مع الجنس الأدبي، وهل هذا الشكل السردي يدعم مقترح العمل بصفته مقترحًا روائيًا حديثًا؟ أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال تأتي من خارج العمل الروائي لا من داخله؛ بمعنى أن العمل يحتاج أن يكون لدى متلقيه كفاية معرفية ونقدية. وليس هذا تعاليًا على القارئ العادي، على العكس، بل فيه دعوة إلى مراجعة المدونة النقدية التي تتناول سرد ما بعد الحداثة، لتكون منطلقًا هامًا لفهم العمل. وفي الوقت نفسه، فالرواية ليست منغلقة على ذاتها؛ فهي ليست من الروايات التي كُتبت لتُنقد لا ليستمتع بها، ففيها أفق مقبول من الإمتاع والجمال، وبالأخص الجمال اللغوي المؤسس على نوع من الشعرية السردية المستمسكة بعناصر الجنس الروائي. وهذا ما يحيل العمل إلى محاولة لطرح الأسئلة واقتراح الإجابات في الوقت نفسه، ولعل المتلقي الجاد يستشعر ذلك.

 

من هنا نجد أن رواية محمد خير مخلصة، في كل أجزائها، لفلسفة ما بعد الحداثة؛ فمركزية الحكاية مفتّتة إلى جزئيات متناهية الصغر، يجمعها رابط شعري، يتعالق في بعض أجزاء الرواية مع الشعرية كمفهوم لغوي، ويبرز ذلك في الجزء المتعلق بأسماء الأصوات مثلًا: “قالت لي اسمه الهادّ، الهادّ؟ صوت البحر… صوت المطر الهمّار، صوت اللهب الأجيج، أصوات الرفرفة والسرسبة والحفيف، التغريد، أصوات لم أكن أعرف أن لها أسماء” (ص ٢٦–٢٧). ويتعالق في أجزاء أخرى مع الشعرية الحلمية وافتراضها شكلًا حديثًا لبلاغة الصورة، ويبرز ذلك – على سبيل المثال لا الحصر – في الصورة المبتكرة لزهرة الجثة الكبيرة في فصل (احترس زهور)، التي تسقط على البشر ولا تفرّق بين صغيرهم وكبيرهم. والأمر لا يتوقف عند هذا الحد؛ فهناك مناطق شعرية لا يمكن ربطها بمكوّن ثابت مثل اللغة أو الصورة الحلمية، بل يتعدى ذلك إلى ما يمكن تسميته بالانفجار الفانتازي، الذي يأتي مرة من منطق رياضي حسابي، مثل حساب الوقت الذي يضيع ويُهدر، ومرة يأتي على هيئة رؤى وأفكار غرائبية، كما في فصل (شحاذون نبلاء)، وفصل (طبيبه). وكل ما سبق يثبت مدى انتباه الكاتب ووعيه بالمفاهيم السردية الجديدة، وهو في روايته يقدم هذه المفاهيم دون التخلي عن نزعته الإبداعية التي لا يمكن للمتلقي أن يخطئ في الانتباه لها أو يسهو عنها.

 

وما قيل عن الحدث المتشظي ينسحب على بقية العناصر المكوّنة للعمل الروائي؛ فالشخصيات، مثلًا، ينطبق عليها مفهوم «الفواعل» أكثر من مفهوم الشخصية في شكلها النمطي المتعارف عليه. فأدوار الشخصيات وطريقة رسمها موجودة في النص لتقوم بدور الفواعل السردية، فلا يمكن اعتبار «سيف» و«بحر» شخصيات مجردة هدف وجودها تقديم الحكاية؛ لا يمكن النظر إليها بهذه المحدودية. فوجودها في السرد يأتي من جهة الدور الذي تقوم به، وهو تحريك العملية السردية ودفعها باتجاه معين له دور محوري في مواصلة تفكيك السرد وتفجير مركزيته. لذلك لا نجد الكاتب يعتني بجوانب الهيئة الخارجية للشخصيات، بمعنى أن المتلقي يستشعر أن الشخصيات ورقية، أو شبه ورقية، موجودة لتقديم المقترح السردي، ولا تتم رؤيتها وتصورها إلا من خلال شكلها الضبابي هذا، حتى على مستوى العلاقات فيما بينها، ودوافعها وانفعالاتها، ومكان وزمان تحركها، الذي يتضافر بدوره مع وهم وجودها الحقيقي. فكل ما نعرفه عن مكان وزمان الرواية غير يقيني بالمرة؛ يمكن توقعه، لكن لا يمكن الجزم به.

 

أخيرًا، أتصور أن الضمور في تلقي مثل هذا النوع من الروايات منطقي جدًا؛ فالحالة السردية العامة عربيًا ما تزال تنظر إلى الرواية من منظور السرديات الحكائية الكبرى التي كوّنتها الحداثة الغربية، من أسئلة الهوية، والعلاقة مع الآخر، ومركزية الوجود الإنساني. أما الروايات من قبيل رواية «إفلات الأصابع»، فأعتقد أن الانتباه لها سيكون متأخرًا بعض الشيء؛ فهي متقدمة على اللحظة الراهنة والجو الثقافي العام.

 

المقالة السابقة
المقالة التالية

اضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”