لقد عانى مفهوم (المرويّ له) إهمالًا كبيرًا من لدن الدراسات النقدية المهتمة بالسرد. وهو—لمن لا يعرفه—«الشخص الذي يُسرد له، والمتموضع أو المنطبع داخل الخطاب السردي». وهو عونٌ سرديّ لا غنى عنه، شأنه شأن الراوي؛ فهما قطبا العملية التواصلية داخل النص. إذ إن كل سرد—شفهيًا كان أم مكتوبًا—لا يفترض راوياً واحدًا فحسب، بل يفترض أيضًا مرويًا له؛ أي شخصًا معينًا يتوجه إليه الراوي. وهو الركن الثالث من أركان البنية السردية: الراوي، والمروي، والمروي له. وفي حال انعدامه، فإن هذه البنية لا تقوم. بل إن كل تغييب أو ضمور للمروي له لا يخلّ بالخطاب وتلقيه فحسب، وإنما يقوّض البنية السردية ذاتها؛ فالتضافر بين الأعوان السردية ضرورة لازمة للخطاب السردي في مجمله.
وقد صاحب إهمال الدراسات السردية لهذا المكوّن جهلُ كثير من كتاب السرد بوجوده أصلًا، فنشأ—بسبب هذا الإهمال—خلطٌ كبير بين المروي له والقارئ الضمني. فالمروي له يختلف موضوعيًا وفنيًا عن القارئ الضمني، ذلك الكائن المتخيَّل الذي يتشكل لحظة قراءة النص. بينما يتجسد المروي له حضورًا فعليًا داخل مسرح الأحداث، من خلال قيامه بدور إحدى الشخصيات التي يتوجه إليها الراوي بالخطاب والمناجاة. وقد يظهر هذا المكوّن بشكل عفوي لدى بعض الكتاب، غير أن الوعي المسبق بأهميته ودوره في العملية السردية يمنحه أثرًا أعمق. كما أن الكاتب، حين يكون واعيًا بقيمته، قد يوسّع وظائفه، فيجعل لصوته حضورًا مكرّسًا في تضاعيف النص، وبذلك يضفي على العمل بُعدًا مغايرًا ومربكًا، ويدخله في منطقة التحديث والتجريب، فلا يعود نصًا تقليديًا. وهذا—تحديدًا—ما لمحته حاضرًا في رواية “زيارة أخيرة لأم كلثوم” للكاتب علي عطا (الدار المصرية اللبنانية، 2020).
الملاحظ أن حضور المروي له في هذه الرواية لم يكن عفويًا أو هامشيًا، بل كان متعمدًا ومكرّسًا، إلى درجة يشعر معها المتلقي بأن هذا العنصر جزء تكويني أساسي في الحكاية. ويتجلى ذلك من خلال الخطاب الموجّه إليه مباشرة، كما يظهر في تعدده، مع تفاوت في الكثافة. فمعظم الخطاب يستحوذ عليه صديق الراوي «طاهر»، فيما يتوزع على آخرين، منهم «ماهر» و«سلمى» و«عادل». ولعل أبرز وظيفة لهذا المكوّن—في تقديري—هي وضع القارئ الضمني على مسافة من الحكاية، تحدّ من قدرته على إعادة تأويلها بحرية. وهذه الوظيفة—رغم ما قد يبدو فيها من تعسف أو نزعة فوقية—قد أضفت على الحكاية قدرًا من المهابة، ومنحتها ثقةً في معقوليتها واقترابها من الواقع. والسرد الروائي الحديث—كما هو معروف—يتسابق في قدرته على اختراق الواقع ونسج حكايات موازية له، وكلما كانت العناصر السردية داعمة لهذا الاتجاه، كانت أكثر نجاعة في تمثيل السردية الحديثة.
وما يعزّز قبول هذا الشكل السردي هو اعتماد الكاتب على السيرة الذاتية، أو—على الأقل—الإيهام بها. فالراوي وبطل الحكاية «حسين جاد» يتقاطع مع المؤلف في جوانب عدة: العمر، والعمل، والنشاط الثقافي، بل وحتى في الآراء المتعلقة بالسياسة والمجتمع والحياة. ومن خلال هذه الشخصية، مرّر الكاتب كثيرًا من مكنوناته، وكأنه أراد قول كل شيء دفعة واحدة. وبما أن المضمون جاء على هذا النحو، فقد اكتسب حضور المروي له أهمية مضاعفة؛ إذ لولاه لانزلق النص إلى خطابية مباشرة. وهذا الوعي السردي يمثل—في حد ذاته—فهمًا عميقًا للصنعة الروائية. وكما يقول أوسكار وايلد: «الشكل هو كل شيء، إنه سر الحياة»، فإن الشكل السردي الذي قدّمه الكاتب هنا يمثل نقطة الارتكاز؛ فلا حكاية مركزية بالمعنى التقليدي، ولا شخصيات نمطية، وحتى الزمان والمكان يحضران بنمط وثبيّ، بين الماضي والحاضر، قفزات متتابعة تُبقي النص في حالة سيولة سردية، مما يجعل العمل متصلًا بقوة بلحظته السردية الراهنة.
أخيرًا، إذا كان من استدراك على العمل، فإنه يتمثل في عنوان الرواية. فهو—فضلًا عن كونه غير جاذب—ينطوي على قدر من التضليل؛ إذ قد يستدعي في ذهن المتلقي—قبل القراءة—شخصية أم كلثوم، كوكب الشرق، التي لا تحضر فعليًا في الرواية، باستثناء ولع والد البطل بها. أما «أم كلثوم» المقصودة فهي شخصية أخرى: خالة الراوي، التي—رغم ما يكنّه لها من محبة—لا تمثل عنصرًا فاعلًا في مجريات العمل. ومن هنا لا يبدو حضور هذا الاسم، بما له من ثقل رمزي وشهرة، مبررًا فنيًا في العنوان، وهو عتبة نصية أساسية تستوجب قدرًا أكبر من الدقة. وإغفال الكاتب والناشر لهذه المسألة يظل موضع استغراب، خاصة أنها هفوة كان من اليسير تلافيها.
