وقعتُ في حيرة بعد قراءة رواية “أطياف كاميليا” للكاتبة نورا ناجي، الصادرة عن دار الشروق (2019). وسبب هذه الحيرة—فيما أظن—راجع إلى كون موضوع الرواية اجتماعيًا ومستهلكًا، ولا ينطوي على تلك الفرادة التي أنشدها—شخصيًا—في الأعمال الروائية الحديثة. وأعتقد أنني لو اطّلعتُ على موضوع الرواية قبل قراءتها، أو استسلمتُ لنفوري منها في صفحاتها الأولى، لما بدأتُها أو أتممتها. غير أن شيئًا فريدًا دفعني إلى المواصلة والمضي قدمًا، وهذا الشيء هو—في تصوري—ما ينقذ الأعمال السردية دائمًا: الوعي العميق بأهمية التقنيات السردية.
ولا أقول ذلك من باب التسامح مع موضوع الرواية، الذي يتمحور حول هاجس هروب الفتيات من بيت العائلة، وضغوط الحياة الاجتماعية، والأسئلة المتكررة في هذا السياق، بل لأن التقنية السردية أعادت لهذا السؤال الاجتماعي قيمته، وحوّلته إلى سؤال روائي جاد، وأدخلته في نطاق الأسئلة المؤرقة التي تمتلك مشروعية فنية.
فمن خلال الاشتغال على التقنيات السردية، برزت داخل العمل قيم موازية، من أهمها سؤال الثنائيات: (الخارج/الداخل)، (الذكورة/الأنوثة)، (القبول/الرفض)، (النجاح/الفشل)، وغيرها من الثيمات التي تُعدّ روائية بامتياز. ولعل هذا ما يمنح القارئ شعورًا بقيمة الكتابة، رغم انتماء الموضوع—ظاهريًا—إلى منطقة العادي والمتوقع. فالعمل، عبر خط سردي غير تقليدي، وتعدد الأصوات، والنظر إلى الموضوع من زواياه المتعددة، المذكر منها والمؤنث، بل وتعدد وجهات النظر داخل الصوت الواحد أحيانًا، انتقل إلى منطقة مختلفة، بعيدة عن السائد والمتداول. وكل ذلك لم يكن ليتحقق لولا هذا الوعي بأهمية تقنيات السرد.
وقد يظن قارئ هذا الرأي أن العمل يقتصر على التقنيات السردية وحدها، وهذا غير صحيح. فإلى جانب هذه التقنيات، ثمة عناصر أخرى أسهمت في نجاح الرواية، من أبرزها خلوّها من هنات شائعة في بعض الروايات العربية الحديثة، مثل ضعف بناء الشخصيات، أو اضطراب الزمن، أو إقحام الأحداث. بل إن سؤال المكان جاء في العمل على مستوى عالٍ من الإتقان، وهو عنصر بالغ الأهمية—خصوصًا في السرد النسوي العربي—نظرًا لطبيعة المجتمعات المحافظة. وهذا السؤال، شئنا أم أبينا، سؤال جوهري، والانشغال به يُعدّ دخولًا في منطقة حساسة وشائكة. وقد أنهت الكاتبة الرواية بفكرة التصالح مع المكان الآخر، بوصفه احتمالًا موازيًا لفكرة الهروب من ضغط المجتمع الذكوري. وقد جاء هذا التصالح بصيغة هادئة ومتوازنة، رغم أن العمل كان قادرًا—من حيث طاقته—على أن يتخذ منحى أكثر تمرّدًا. ويبدو هذا التحول جليًا في نهاية الرواية أكثر منه في بدايتها ووسطها، حيث كان التمرد هو الصوت الغالب. وكما هو معلوم، فإن الخواتيم تكشف—في الغالب—عن الخيار الذي ينحاز إليه الخطاب الروائي.
أخيرًا، أعتقد أن حيرتي الأولى قد خفّت، بعد أن أجبتُ—لنفسـي أولًا، ثم لقارئ هذا الرأي—عن السؤال الأساسي: ليس الموضوع الروائي دائمًا هو العنصر الحاسم في قيمة العمل، بل إن هناك عناصر فنية خالصة تمتلك قدرة هائلة على حمل أي موضوع، والارتقاء به إلى مناطق الكتابة المهمة والجديرة بالاعتبار.
