مديح التوهم.. قراءة في قصة «رمش العين»

 

في مجموعة محمد خير «رمش العين» (الكتب خان، 2017)، عدة قصص جميلة تستحق القراءة. ولأنني لا أفهم كيف يقرأ البعض مجموعة قصصية بكاملها دفعة واحدة، أُفضل قراءة قصة واحدة فقط، وأتصور أن هذا قد ينبئ —بشكل من الأشكال— عن جودة وجمال المجموعة بأسرها. لكن يستحيل عليّ، ما لم تكن متتالية قصصية، قراءتها قراءة كاملة جادة، وأنا أتحدث هنا عن المنتج الإبداعي، لا عن خصائص مبدعه.

 

لهذا ستقتصر قراءتي على قصة «رمش العين»، آخر قصة في المجموعة، والتي لامستني بشكل استثنائي، وأتصور أن لدي ما يمكن إضافته حولها، خاصة أن المجموعة سُمّيت باسمها.

 

فن القصة القصيرة فن عصي، وقد تطالع مجموعات كثيرة ولا تلمح فيها قصة قصيرة واحدة. وفي قصة «رمش العين»، كل شيء يشي بهذا الفن ويبرزه، ابتداءً من العنوان الإشكالي، الذي حيّرتني قراءته بشكل دقيق قبل الشروع في القراءة؛ فلم أكن أعلم على وجه الدقة: هل العنوان «رِمش» الاسم أم «رَمش» المصدر؟ وهذا —كما أعتقد— مقصود، وهو نوع من المراوغة اللغوية المحمودة في هذا الفن تحديدًا، الذي يقوم أساسًا على المفارقات واللعب اللغوي.

 

فُتنت ببداية القصة، وتوقفت عند المفارقة اللغوية اللطيفة، التي تتميز بالتخفف من الشعرية التي ترزح بها القصة القصيرة العربية. يقول الراوي: «كنت عند محمد، نعيد ترتيب أثاث شقته، لأنه صار مقتنعًا تمامًا بأنه يمشي أثناء النوم، محمد لا الأثاث طبعًا». ففي سطر ونصف، تكثيف سردي عجيب، ينبه بذكاء إلى ما سيعرفه القارئ لاحقًا؛ فهو حين يقول «صار مقتنعًا تمامًا» يلمّح —بسرعة وبشكل خاطف— إلى أنه ربما لم يكن متأكدًا، ثم يلطّف القول أكثر بتذكير: «محمد لا الأثاث طبعًا». والقارئ المنتبه، الذي يعرف كيف يقرأ القصة القصيرة، سيلاحظ أن الإشارات مهمة وليست عبثية منذ بداية القصة.

 

فمحمد هذا —الذي لا يهمنا هل هو صديق أو أخ أو غير ذلك، وعدم التعريف بصلته بالراوي فيه تماهٍ مع الحالة الإنسانية، وإشارة إلى إمكانية قبولها— يعاني من مرض (النيوراستينيا)، وهو مرض معروف، يدّعي أصحابه ويتوهمون أنهم يعانون من أمراض معينة، ويستدعونها بحسب الحالات التي تمر عليهم في يومياتهم. وقد يتفاقم بهم الحال ويصل إلى مراحل مرهقة لمن حولهم، وهذا ما لن نقرأه في تفاصيل القصة؛ فالراوي يتماهى مع الشخصية إلى درجة أنه يحمد له السلامة كل مرة يخبره فيها بمرضه الطارئ!

 

وبينما يسرد لنا الراوي يومياته مع محمد، الغريب بطبعه وتوهماته، يحكي أزمته المركبة، التي يخبرنا فيها عن ابنته (حنين) التي لم تعش سوى يومين فقط، والتي وُلدت بأنف أفطس أزعج الراوي أنها حصلت عليه بسبب كونه أفطس هو الآخر. ثم —بذكاء— يخبرنا أنه لم يهتم لسبب الوفاة، بل يحيل السبب إلى جريرة وجود أنفه في وجه ابنته: «لأن أنفي الذي في وجه حنين لفظ روحها الصغيرة بعد يومين».

 

أما أزمته الأخرى، التي تتقاطع مع أزمة محمد، فهي توهمه وجود زهرة اسمها «رمش العين»، وابتكاره سببًا لوجودها، ربطه بمدلول الرمش السريع للعين؛ فهذه الزهرة التعيسة تعيش يومًا واحدًا فقط. وليفاقم أزمة توهمه، بدأ يسأل بائع الزهور، وصوبات وزارة الزراعة على الكورنيش، الذي ينبهه مبتسمًا: «حتى هذا فأل سيئ»!

 

وحين لم يجد للزهرة وجودًا حقيقيًا، بحث عنها في الإنترنت، لكنه لم يجد سوى بعض الأغاني عن العيون والرموش، وهذه مفارقة أخرى. لكنه يتعمق أكثر، ويخبرنا بالاكتفاء بإطلاق اسم «رمش العين» على ابنته الميتة، ليعطي لهذا التوهم سببًا منطقيًا: «الله يرحمك يا رمش»، مكتفيًا بالاختصار على سبيل الترخيم.

 

وفي عز أزمته وحزنه على ابنته، وعلى فشله في العثور على زهرته المتوهمة، يطل محمد بأوهامه المتلاحقة، والراوي يواصل الحمد على سلامته كل مرة برحابة صدر.

 

وتنتهي القصة حينما يخبر محمد الراوي عن الأسبوع الذي فقد فيه السمع، حينما كان في الجيش، في تراكب عجيب للتوهمات: توهمات الراوي وتوهمات محمد. فلا الراوي يتضجر من محمد، ولا القارئ يتضجر من توهمات الراوي، لأن الكاتب، في ثنايا القصة، يترك للقارئ ومضات توحي له بأن التوهم وارد: «إذ إن لي خبرات سابقة مع الذكريات، اتضح أنها مخترعة تمامًا وليس لها أي أساس».

 

وأعتقد جازمًا أن القصة القصيرة الحقيقية منبتها مثل هذه التوهمات، التي تمتزج مع سلطة القص والحكي، ومن خلال الومضات اللغوية الذكية، التي تحيل إلى العنوان، الذي تتمثل فيه الصورة الأعمق للمفارقة.

 

المقالة السابقة
المقالة التالية

اضيف حديثاً

  • All Posts
  • أخرى
  • أدبية
  • سرد
  • سينما
  • شعر
  • فكر
  • فن
  • قصة قصيرة
  • مكتبة
  • مهنية
  • موسيقى

أبرز الاقسام

@حقوق النشر محفوظة “عبدالله العقيبي”